الحديث والسيرة
فقه السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي

فقه السيرة النبوية : الدرس : 30 - التاريخ : 13/ 03 / 2006 ـ ضرورة معرفة السيرة والإطلاع عليها من كافة الجوانب ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات   القربات .

 

القوة الإدراكية

 

أيها الإخوة الكرام ، لا يغيب عنكم أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية ، هذه القوة الإدراكية تقتضي أن تبحث عن الحقيقة ، فمجرد أنك تبحث عن الحقيقة فأنت تنتمي إلى صنف البشر ، الذين كرمهم الله عز وجل قال تعالى :

( سورة الإسراء ) .

لأن الله كرمك بالقوة الإدراكية ؛ إذاً هي الحاجة العليا عندك ، فما لم تُلَبَّ هذه الحاجة يسقط الإنسان من هذا المستوى الرفيع الذي كرمه الله به ، وأنت حينما تأتي إلى بيت من بيوت الله تأتي كي تتعرف إلى الإنسان المكرّم الذي جعله الله سبحانه وتعالى على رأس البشرية مقاماً ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( سَلُوا اللّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ ، فَإنّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنّةِ لاَ تَنْبَغِي إلاّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللّهِ ، أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا )) .

[ رواه النسائي عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ] .

ونحن في الصلاة عقب الأذان نقول : اللهم رب هذه الدعوة التامة ، والصلاة القائمة ، آتِ سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قمة البشر ، وجعله الله قدوة لنا وأسوة ، من هنا كان من الواجبات الحتمية على كل منا أن يعرف سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول :

( سورة الأحزاب الآية : 21 ) .

فكيف يكون النبي أسوة حسنة لنا ، ونحن لا تعرف سيرته ؟ وهذا الذي ذكرته من قبل ما لا يتم الفرض به فهو فرض ، وما لا يتم الواجب به فهو واجب ، وما لا تتم السنة به فهو سنة ، فإذا كان كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب وقد قال الله عز وجل :

( سورة الحشر الآية : 7 ) .

إذاً فمعرفة سنة النبي القولية فرض عين ، وما دام الله عز وجل يقول :

( سورة التوبة ) .

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ .

 

كيف يكون النبي e لنا أسوة حسنة ما لم نعرف سيرته ؟

 

السؤال كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم لنا أسوة حسنة ما لم نعرف سيرته ؟ .

إذاً مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية .

وصدقوا أيها الإخوة ، لو لم يكن كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بأبعادها ودلالتها كتاباً وسنة ، إلا أن السيرة العملية تتميز بأنها حدية في الاستنباط ، فالإنسان قد يقول كلمة وقد تؤوّل يمنة ويسرة ، أما إذا سلك سلوكاً فالسلوك حدي ، فإذا ألقى عليكم إنسان محاضرة في الحجاب يا ترى هل يعد الوجه عورةً أم ليس بعورةٍ ؟ ماذا قال ؟ أما إذا رأيته مع زوجته ، وقد سترت وجهها ؟! هذا موقفه ، الموقف العملي حدي ، والموقف الكلامي يحتمل التأويل .

 

السيرة العملية أصدق تطبيق للقرآن

 

لذلك قال بعض العلماء : إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية أصدق في فهمه لكتاب الله من أقواله ، لأن أقواله تحتمل ، مثل :

إذا قال الله عز وجل :

(سورة الشمس ) .

قد يتبادر إلى الذهن أن الله خلق فيها الفجور ، نعوذ بالله من هذا المعنى ، لكن الآية تعني أن الله سبحانه وتعالى فطر النفوس فطرة عالية جداً ، بحيث لو أن النفس البشرية أخطأت لعلمت أنها أخطأت من دون معلم ، تعرف ذاتياً أنها أخطأت ، ألهمها أنها فجرت حينما تفجر ، وألهمها أنها اتقت حينما تتقي ، هذا المعنى .

فدائماً النص يحتاج إلى تأويلات .

( سورة يونس الآية: 39 ) .

فأنت مثلاً تقرأ قوله تعالى :

( سورة السجدة الآية : 13 ) .

( لو ) حرف امتناع لامتناع ، لو جئتني أكرمتك ، امتنع إكرامي لك بامتناع مجيئك إلي .

( سورة السجدة).

هذه الآية ينبغي أن تسأل عنها أهل الذكر ، وأهل الذكر هم أهل القرآن ، قال تعالى :

(سورة النحل ).

ما معنى الآية ؟ الإنسان دائماً وأبداً يحاول أن يمحو خطأه لغيره ، كل شيء سلبي في حياة الإنسان يقول لك : قضاء وقدر ، هكذا أراد الله عز وجل ، هذه كلمة حق أريد بها باطل .

والمعنى : يا عبادي ، إذا زعمتم أنني أجبرتكم على المعاصي والآثام ، وأنها من قضائي وقدري فأنتم مخطئون ، لو أنني أجبركم على شيء ما لما أجبرتكم إلا على الهدى .

ولو شئنا أن نلغي اختياركم ، وأن نلغي تكليفكم ، وأن نسلبكم حريتكم ، وأن نجبركم على شيء ما ، ما أجبرناكم إلا على الهدى ، ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾ ، هذا هو المعنى الصحيح ، لكن الذي تزعمون أن أخطائكم من إجبار الله لكم فأنتم واهمون ، ﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ ، أي لأحاسبكم حساباً عسيراً على ما تقترفونه من آثام ، وما تتهمون به ربكم أنه أجبركم على ذلك ، هذا المعنى .

لذلك النص يحتاج إلى تأويل ، لكن الفعل لا يحتاج إلى تأويل الفعل حدي ، لذلك كان اختيار هذه الدروس فقه السيرة النبوية .

أيها الإخوة ، أخرج الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :

 

وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ

 

(( كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ ، ثُمّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ : ] وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي منْ لَدُنْكَ سُلْطَانَاً نَصِيراً [ )) .

( سورة الإسراء ) .

ألا يخطر في بالكم أيها الإخوة أن كلام الله معجز ، وإعجازه في إيجازه ؟ فلمَ قال الله عز وجل : ﴿ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ؟ يعني : يا رب اجعلني صادقاً ، كلمة واحدة ، أعمال لا تعد ولا تحصى تدخلها صادقاً ، وتخرج منها غير بصادق ، لست بصادق ، فالبطولة لا في الدخول بل في الخروج .

 لذلك مرةً معاوية بن أبي سفيان التقى بأحد دهاة العرب الكبار عمرو بن العاص ، فقال له : يا عمرو ، ما بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، فقال له معاوية : لست بداهية ، أما أنا والله لا أدخل مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، هذا مستوى أرقى .

إذاً : ﴿ رَبّ أَدْخِلْنِي ، تقول : أنا إذا تزوجت ، سأقيم الإسلام في بيتي ، سأحجب زوجتي ، سأربي أولادي ، سأنشئهم على طاعة الله ، فإذا دخلت إلى عالم المرأة ، وحملتك زوجتك على معصية تقول : ما بيدنا شيء ، دخلت مدخل صدق ، لكنك لم تخرج مخرج صدق .

تقول : سأنشئ مستشفى هدفه معالجة الفقراء والمساكين ، بعد أن تشعر بقيمة المال الذين دخلوا هذه المستشفى تأتيهم الجلطة من الفاتورة ، دخلت مدخل صدق ، لكن لم تخرج مخرج صدق .

إخواننا الكرام ، صدقوا أن طريق القمة صعب جداً ، لكن النزول من القمة إلى الحضيض سهل جداً ، إذا كان الطريق إلى القمة طريقًا فيه أكمات ، وصخور ، وغبار ، و حر ، وجهد كبير ، والطريق من القمة إلى الحضيض زلق ، هو طريق الغرور ، لذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة ، بل أن تبقى فيها ، لا أن تصل إلى المنبر ، بل أن تبقى فيه ، لا أن تصل إلى هذا المكان ، بل أن تبقى فيه باستمرار .

لذاك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة دخلها مطأطأ الرأس تواضعاً لله عز وجل ، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره ، ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾ .

إخوانا الكرام ، النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه في بدر انتصروا ، والآية تقول :

( سورة آل عمران الآية : 123 ).

أي أنتم مفتقرون إلى الله ، النبي عليه الصلاة والسلام ومعه أصحابه الكرام وهم خيرة الخلق ، ومعهم سيد الخلق لم ينتصروا في حنين ، لماذا ؟ لأنهم قالوا :

(( ولا يُغلَبُ اثنا عشَرَ ألفاً مِنْ قِلةٍ )) .

[ أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عباس ] .

 

( سورة التوبة) .

 

درس بليغ

 

إخواننا الكرام ، درس بليغ تحتاجه كل يوم ، بل كل ساعة ، إن قلت : الله ، تولَّك الله ، وإن قلت : أنا تخلَّ الله عنك ، ولست أكرم على الله من أصحاب رسول الله ، لست أكرم على الله من أصحاب النبي الذين باعوا حياتهم في سبيل الله ، ومع ذلك لم ينتصروا ، فحينما تعتز بقوتك أو بمالك ، أو بنسبك ، أو بمنصبك يتخلى الله عنك ، وحينما تفتقر إلى الله يتولاك بالرعاية ، لذلك قبل أن تقدم على أي عمل ، قبل أن تقدم مشروعاً ، قبل أن تقابل مسؤولاً قبل أن تقف موقفاً عصيباً قل : اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي ، والتجأت إلى حولك وقوتك ، يا ذا القوة المتين ، تبرأت من حولي وقوتي وعلمي ، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك ، يا ذا القوة المتين ، هذا معنى قوله تعالى حينما أُمر e بالهجرة  : ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ .

 

انطلاق النبي e إلى غار ثور بصحبة أبي بكر : دروس وعبر

 

وقد انطلق النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغار من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله ، فلبس علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثوبه ، ونام في مكانه ، واخترق النبي صلى الله عليه وسلم حصار المشركين دون أن يروه بعد أن أوصى علياً بأن يخبر أبا بكر أن يلحق به ، فجاء أبو بكر وعلي نائم ، وأبو بكر يحسب بأن نبي الله في بيته ، فقال : يا نبي الله ، فقال علي : إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون ، فأدركه ، قال : فانطلق أبو بكر فدخل معه في الغار ، قال : وجعل علي يرمي بالحجارة كما كان يرمي نبي الله ، وهو يتضور ، فقد لف رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح ، ثم كشف عن رأسه فقالوا : إنك للئيم ـ توقعوا أن النبي في البيت ـ كان صاحبك نرميه فلا يتضور ، وأنت تتضور ، وقد استنكرنا ذلك ، إذاً النبي خرج من بيته إلى غار ثور .

مرة ثانية للتذكير : الذي انتقل من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر لمَ لم ينتقل من مكة إلى المدينة بلمح البصر؟ لأنه قدوة لنا ، هذا يذكرنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجر نهاراً جهاراً متحدياً ، قال : من أراد أن تثكله أمه ، أو أن يتيم ولده ، فليلحق بي إلى ذلك الوادي ، وقد يسأل سائل : أيعقل أن يكون عمر بن الخطاب أشجع من رسول الله ؟ الجواب : لا ، وألف لا ، ولكن عمر ليس مشرّعاً ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرّع ، النبي مشرع ، ويجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه عامر بن  أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما ، ويعينهما على الطريق ،  وحمل أبو بكر رضي الله عنه ثروته ليضعها تحت تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

المؤمن بين طريق القوة والغنى والعلم والمنصب

 

إخواننا الكرام ، المال قوة ، والمنصب قوة ، والعلم قوة ، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ، لأن المؤمن القوي يحمل معك ، والمؤمن الضعيف ينبغي أن تحمله ، وفرق كبير بين من يحمل معك ، وبين من تحمله ، ولكن المؤمن الضعيف على العين والرأس ، لكن لا بد من تعليق ، وهذا التعليق نحن في أشدّ الحاجة إليه ، اسمعوا :

إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون قوياً ، لأن فرص العمل الصالح المتاحة للقوي ليست متاحة للضعيف ، فالقوي بجرة قلم يحق حقاً ، ويبطل باطلاً ، يقر معروفاً ويزيل منكراً بجرة قلم ، والضعيف هو يزاح من عمله بجرة قلم ، وفرق كبير بينهما ، لكن إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، أما إذا كان طريق القوة على حساب دينك وقيمك ، ومبادئك الضعف وسام شرف للإنسان .

لذلك الأهداف النبيلة لا يمكن إلا أن يختار لها الإنسان وسائل نبيلة ، الوسيلة من جنس الهدف ، أما عند الأعداء فالهدف يبرر الوسيلة ، الغاية تبرر الوسيلة ، عند المسلمين لابد للهدف النبيل من وسيلة نبيلة ، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله فينبغي أن تكون غنياً ، لأنك إذا كنت غنياً يمكن أن تنشئ ميتماً ، و مستشفى ، ومعهداً شرعياً ، وأن تزوج الشباب ، وأن تربي الأيتام ، وأن تكون لك أعمال كالجبال .

<< حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي >> .

يقول أحد العلماء : " مساكين أهل الدنيا ، جاؤوا إلى الدنيا ، وخرجوا منها ، ولم يذوقوا أطيب ما فيها ، أطيب ما فيها العمل الصالح " .

يا رب ، لا يطيب الليل إلا بمناجاتك ، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك .

والله أيها الإخوة ، هؤلاء الذين سمح الله لهم أن يعملوا الأعمال الصالحة هم في قمم السعادة ، هؤلاء الذين سمح الله لهم أن يكونوا جنوداً للحق ، هم في قمم السعادة ، إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون غنياً ، أما إذا كان طريق الغنى سببه الكذب والاحتيال ، وأن يبيع الإنسان دينه بعرض من الدنيا قليل الفقر وسام شرف لك ، الأهداف النبيلة لا بد لها من وسائل نبيلة .

لذلك صهر النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم ، بقي مشركاً ، وقد احتجزت بضاعته التي كانت معه في طريقه إلى مكة ، ووقع أسيراً ، أجارته زوجته ، وكانت في المدينة ، فالنبي أجاره ، قيل له بحسب النظام القائم : إنك إذا أسلمت ، فهذه البضائع تصبح ملكاً للمسلمين ، على أساس دار الحرب ودار السلم في الحروب ، لأن أموال المحارب هي غنائم ، قال كلمة والله لا أنساها ، قال : والله ما أحب أن أبدأ إسلامي بهذا ، مغطى ، ذهب إلى مكة ، ووزع الأموال على أصحابها ، وبرأ ذمته تماماً ، ثم شهد أنه لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ، فالأهداف النبيلة يجب أن تسلك إليها الوسائل النبيلة ، وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم .

 والله أيها الإخوة لو يعلم أصحاب الأموال كم يستطيعون أن يصلوا إلى درجات الجنة بأموالهم  لما ترددوا لحظة .

لأن روح الميت ترفرف فوق النعش ، تنادي الأهل ، هكذا ورد في الأثر : " يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم والتبعة علي " .

ورد في الأثر أيضاً : " أن الله يوقف عبدً أعطاه مالاً ، يقول له : عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال : يا رب لن أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، يقول الله له : ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يسأل عبداً آخر أعطاه مالاً قال : عبدي ، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال : يا رب ، أنفقت على كل محتاج ومسكين ، لثقتي بأنك خيراً حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، قال الله عز وجل : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك " .

 

تنبيه خطير :

 

إن الرجل ليعبد الله ستين عاماً ، ثم يضر بالوصية فتجب له النار ، يريد ألا يعطي البنات شيئاً ، يخص ثروته الذكورَ ، متوهماً بوحي من الشيطان أنك إذا أعطيت البنات انتقل المال إلى أسر غريبة ، هل أنت أحكم من الله ؟! النبي عليه الصلاة والسلام لم يسمح له بتوزيع الأموال ، تولاها الله بذاته ، الفرائض أين أحكامها ؟ في القرآن الكريم .

 

مكوث النبي e في الغار واتخاذه جميع أسباب السلامة

 

ومكث النبي صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه في الغار ثلاث ليال تمكن المشركون خلالها من اقتفاء آثارهم إلى الغار ، وقد ذكرت كثيراً أن حكمة وصول المطاردين إلى الغار ليعرف العالم كله أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أخذ بالأسباب لم يعتمد عليها ، ولكنه اعتمد على الله ، وهذا الموقف دقيق جداً ، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء فيما يبدو ، ويجب أن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

العالم الغربي أخذ بالأسباب واعتمد عليها ، وألهها ، فوقع بالشرك ، والعالم الشرقي لم يأخذ بها مدعياً أنه متوكل على الله ، وهذا ليس توكلاً بل تواكلاً ، وقع في المعصية .

 

الأخذ بالأسباب من تمام التوكل

 

حينما تجري مراجعة للمركبة تامة ، وتعتقد أنه لم يحدث حادث لأنك أجريت مراجعة تامة المكبح ، والزيت ، والعجلات ، وتوهمت أنك في مأمن للحادث ، أنت أخذت بالأسباب ، واعتمدت عليها ، لكن المؤمن يعتقد مع أنه أخذ بالأسباب لو أن الله أراد أن يؤدبه لألغيت الأسباب ، لذلك الحكمة يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وبعد ذلك يا رب أنت الحافظ ، أنت الموفق ، أنت المسلم يا رب ، طبعاً سهل جداً أن تأخذ بالأسباب ، وتعتمد عليها ، وسهل جداً ألا تأخذ بها ، وأن تتواكل على الله ، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب بشكل دقيق ، ثم تتوكل على الله ، وكأنك لم تأخذ بالأسباب .

الحالة الثالثة صعبة تحتاج إلى علم عميق ، وإيمان دقيق .

إخواننا الكرام ، هذا أخطر شيء يعاني منه العالم الإسلامي ، ينتظر أن تقع معجزة ، لن تقع معجزة ، لأن المسلمين لم يأخذوا بالأسباب ، لم يعدوا لعدو القوة التي أمرهم الله بها ، فالأولى أن نأخذ بالأسباب إن أخذنا بها الآن تولّنا الله عز وجل .

قال أحدهم : سأصلح العالم كله في عشر سنوات ، العالم كله ، القارات الخمس ، الدول كلها ، ومضت السنوات العشر ، ولم يستطع أن يفعل شيئاً ، قال : إذاً سأصلح بلدي في خمس سنوات ، السنوات الخمس مضت ، ولم يستطع أن يفعل شيئاً ، قال : إذاً سأصلح مدينتي في سنتين ، والسنتان مضتا ، ولم يفعل شيئاً ، قال : إذاً سأصلح بيتي في عام ، مر العام ، ولم يصلح البيت ، قال : إذاً سأصلح نفسي أولاً ، وقرأ قوله تعالى :

(سورة الرعد الآية : 11 ) .

 

التوجُّه إلى الأعمال الصالحة الميسَّرة

 

إخواننا الكرام ، بالمناسبة ذكرت قضية أنا أراها حساسة جداً ولا أبالغ ، مليون شيء يمكن أن تفعله في ظل هذه الظروف الصعبة ، في ظل الضغوط ، في ظل العقبات ، في ظل حرب عالمية ثالثة أعلنت على المسلمين في شتى بقاع الأرض ، يمكن أن تفعل مليون شيء دون أن تُسأل ، دون أن تحاسب ، ألا تستطيع أن تكون صادقاً ؟ ألا تستطيع أن تكون أميناً ؟ ألا تستطيع أن تكون متقناً لعملك ؟ ألا تستطيع أن تعتني بأهل بيتك ؟ ألا تستطيع أن تعتني بصحتك ؟ ألا تستطيع أن تربي أولادك ؟ كل هذه الأعمال بإمكانك أن تفعلها من دون أن تحاسب عليها ، لكنْ يأتي إبليس ليزهدك بكل ما تستطيع ، ويدفعك إلى ما لا تستطيع ، هذا من تلبيس إبليس ، يزهدنا فيما نستطيع ، ويقحمنا فيما لا نستطيع ، هنا الإشكال .

لذلك قالوا : أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك ، لكنْ ماذا تملك أنت ؟ تملك نفسك ، وتملك أسرتك ، وتملك عملك ، إذا كل مسلم أقام الإسلام في نفسه ، وفي بيته ، وفي عمله ، وانتهى كل شيء .

( سورة البقرة الآية: 286) .

الذي تطمح إليه لا تستطيعه جميع الدول الإسلامية مجتمعة ، تهمل ما أنت قادر عليه ، وتقحم إلى ما لا تستطيع أن تفعله ، هذا من تلبيس إبليس ، من تلبيس إبليس أن تنصب نفسك وصياً على المسلمين ، تقيمهم ، وتكفر من تكفر ، وتبدع من تبدع ، هذا أيضاً من تلبس إبليس ، تحرك ، اعمل ، أقول لكم من القلب :

(( انتهى عهد النوم يا خديجة )) .

[ورد في الأثر]

 

السيدة خديجة التمست من النبي e أن يأخذ قسطاً من الراحة ، فقال : يا خديجة انقضى عهد النوم ، ونحن الآن ينبغي أن نقول : انقضى عهد النوم ، ويجب أن نقول أيضاً : وانتهى عهد الكلام ، نريد عهد العمل ، لأن الطرف الآخر يريد إفقارنا ، وإضلالنا ، وإفسادنا ، وإذلالنا ، وإبادتنا .

والحمد لله رب العالمين