|
الحديث والسيرة
فقه
السيرة النبوية - د.محمد راتب النابلسي
فقه السيرة النبوية : الدرس
: 30 -
التاريخ
: 13/ 03 / 2006 ـ ضرورة معرفة السيرة والإطلاع عليها من كافة
الجوانب ـ لفضيلة الدكتور محمد راتب
النابلسي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا
علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما
ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً
وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ،
واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في
عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى
أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
القوة الإدراكية
أيها الإخوة الكرام ، لا يغيب
عنكم أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوة إدراكية ، هذه
القوة الإدراكية تقتضي أن تبحث عن الحقيقة ، فمجرد أنك تبحث عن
الحقيقة فأنت تنتمي إلى صنف البشر ، الذين كرمهم الله عز وجل
قال تعالى :

( سورة الإسراء ) .
لأن الله كرمك بالقوة الإدراكية ؛ إذاً هي
الحاجة العليا عندك ، فما لم تُلَبَّ
هذه الحاجة يسقط الإنسان من هذا المستوى الرفيع الذي كرمه الله
به ، وأنت حينما تأتي إلى بيت من بيوت الله
تأتي
كي تتعرف إلى الإنسان المكرّم الذي جعله الله
سبحانه وتعالى على رأس البشرية مقاماً ، يقول عليه الصلاة
والسلام :
(( سَلُوا اللّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ
،
فَإنّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنّةِ لاَ
تَنْبَغِي إلاّ لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللّهِ
،
أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا
)) .
[ رواه النسائي عن عبد الله بن
عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ] .
ونحن في الصلاة عقب الأذان نقول
:
اللهم رب هذه الدعوة التامة
،
والصلاة القائمة
،
آتِ سيدنا محمداً الوسيلة والفضيلة ، لأن النبي
صلى الله عليه وسلم كان قمة البشر ، وجعله الله قدوة لنا وأسوة
، من هنا كان من الواجبات الحتمية على كل منا أن يعرف سيرة
النبي عليه الصلاة والسلام ، لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول :

( سورة الأحزاب الآية : 21 ) .
فكيف يكون النبي أسوة حسنة لنا
،
ونحن لا تعرف سيرته ؟ وهذا الذي ذكرته من قبل
ما لا يتم الفرض به فهو فرض ، وما لا يتم الواجب به فهو واجب ،
وما لا تتم السنة به فهو سنة ، فإذا كان كل أمر في القرآن
الكريم يقتضي الوجوب وقد قال الله عز وجل :

( سورة الحشر الآية : 7 ) .
إذاً
فمعرفة
سنة النبي القولية فرض عين ، وما دام الله عز وجل يقول :

( سورة التوبة ) .
﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
﴾
.
كيف يكون النبي
e
لنا أسوة حسنة ما لم نعرف سيرته
؟
السؤال كيف يكون النبي صلى
الله عليه وسلم لنا أسوة حسنة ما لم نعرف سيرته ؟ .
إذاً مع درس جديد من دروس فقه
السيرة النبوية .
وصدقوا أيها الإخوة
،
لو لم يكن كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي صلى
الله عليه وسلم بأبعادها ودلالتها كتاباً وسنة ، إلا أن السيرة
العملية تتميز بأنها حدية في الاستنباط
،
فالإنسان قد يقول كلمة وقد تؤوّل
يمنة ويسرة ، أما إذا سلك سلوكاً فالسلوك حدي ، فإذا ألقى
عليكم إنسان محاضرة في الحجاب يا ترى هل يعد الوجه عورةً أم
ليس بعورةٍ ؟ ماذا قال ؟ أما إذا رأيته مع زوجته
،
وقد سترت وجهها
؟!
هذا موقفه ، الموقف العملي حدي ،
والموقف
الكلامي يحتمل التأويل .
السيرة العملية أصدق تطبيق
للقرآن
لذلك قال بعض العلماء
:
إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم العملية أصدق
في فهمه لكتاب الله من أقواله ، لأن أقواله تحتمل ، مثل :
إذا قال الله عز وجل :

(سورة الشمس ) .
قد يتبادر إلى الذهن أن الله
خلق فيها الفجور ، نعوذ بالله من هذا المعنى ، لكن الآية تعني
أن الله سبحانه وتعالى فطر النفوس فطرة عالية جداً ، بحيث لو
أن النفس البشرية أخطأت لعلمت أنها أخطأت من دون معلم ، تعرف
ذاتياً أنها أخطأت ، ألهمها أنها فجرت حينما تفجر ، وألهمها
أنها اتقت حينما تتقي ، هذا المعنى .
فدائماً النص يحتاج إلى
تأويلات .

( سورة يونس الآية: 39 ) .
فأنت مثلاً تقرأ قوله تعالى :

( سورة السجدة الآية : 13 ) .
(
لو ) حرف امتناع لامتناع ، لو جئتني أكرمتك ،
امتنع إكرامي لك بامتناع مجيئك إلي .

( سورة السجدة).
هذه الآية ينبغي أن تسأل عنها
أهل الذكر ، وأهل الذكر هم أهل القرآن ، قال تعالى :

(سورة النحل ).
ما معنى الآية ؟ الإنسان دائماً وأبداً يحاول
أن يمحو خطأه لغيره ، كل شيء سلبي في حياة الإنسان يقول لك
:
قضاء وقدر ، هكذا أراد الله عز وجل ، هذه كلمة
حق أريد بها باطل .
والمعنى : يا عبادي ، إذا زعمتم أنني أجبرتكم
على المعاصي والآثام
،
وأنها من قضائي وقدري فأنتم مخطئون ، لو أنني
أجبركم على شيء ما لما أجبرتكم إلا على الهدى .
ولو شئنا أن نلغي اختياركم ،
وأن
نلغي تكليفكم ،
وأن
نسلبكم حريتكم ، وأن نجبركم على شيء ما ، ما أجبرناكم إلا على
الهدى
،
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ
هُدَاهَا
﴾ ، هذا
هو
المعنى الصحيح
،
لكن الذي تزعمون أن أخطائكم من إجبار الله لكم
فأنتم
واهمون
،
﴿ وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ
أَجْمَعِينَ ﴾
،
أي لأحاسبكم حساباً عسيراً على ما تقترفونه من
آثام
،
وما تتهمون به ربكم أنه أجبركم على ذلك ، هذا
المعنى .
لذلك النص يحتاج إلى تأويل ، لكن الفعل لا
يحتاج إلى تأويل الفعل حدي
،
لذلك كان اختيار هذه الدروس فقه السيرة النبوية
.
أيها الإخوة ، أخرج الإمام
أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال :
وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْني
مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ
(( كَانَ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ
، ثُمّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ :
]
وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْني مُدْخَلَ صِدْقٍ
وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي منْ لَدُنْكَ
سُلْطَانَاً نَصِيراً
[
)) .

( سورة الإسراء ) .
ألا يخطر في بالكم أيها الإخوة أن كلام الله
معجز ، وإعجازه في إيجازه ؟ فلمَ قال الله عز وجل
:
﴿ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي
مُخْرَجَ صِدْقٍ
﴾
؟
يعني : يا رب اجعلني صادقاً
،
كلمة واحدة ، أعمال لا تعد ولا تحصى تدخلها
صادقاً
،
وتخرج منها غير بصادق ، لست بصادق ، فالبطولة
لا في الدخول بل في الخروج .
لذلك مرةً معاوية بن أبي سفيان التقى بأحد
دهاة العرب الكبار عمرو بن العاص
، فقال
له
:
يا عمرو
،
ما بلغ من دهائك ؟ قال
:
والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ،
فقال له معاوية
:
لست بداهية ، أما أنا والله لا أدخل مدخلاً
أحتاج أن أخرج منه ، هذا مستوى أرقى .
إذاً
:
﴿ رَبّ أَدْخِلْنِي ﴾
،
تقول
:
أنا إذا تزوجت
،
سأقيم الإسلام في بيتي ، سأحجب زوجتي
،
سأربي أولادي ، سأنشئهم على طاعة الله ، فإذا
دخلت إلى عالم المرأة ، وحملتك زوجتك على معصية تقول
:
ما بيدنا شيء ، دخلت مدخل صدق
،
لكنك لم تخرج مخرج صدق .
تقول
:
سأنشئ مستشفى هدفه معالجة الفقراء والمساكين
،
بعد أن تشعر بقيمة المال الذين دخلوا هذه
المستشفى تأتيهم الجلطة من الفاتورة ، دخلت مدخل صدق ، لكن لم
تخرج مخرج صدق .
إخواننا
الكرام ، صدقوا أن طريق القمة صعب جداً ، لكن النزول من القمة
إلى الحضيض سهل جداً ، إذا كان الطريق إلى القمة طريقًا
فيه
أكمات ، وصخور ، وغبار ، و حر ، وجهد كبير ،
والطريق
من القمة إلى الحضيض زلق ، هو طريق الغرور
،
لذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة
، بل
أن تبقى فيها ، لا أن تصل إلى المنبر
، بل
أن تبقى فيه ، لا أن تصل إلى هذا المكان
، بل
أن تبقى فيه باستمرار .
لذاك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة
دخلها مطأطأ الرأس تواضعاً لله عز وجل ، حتى كادت ذؤابة عمامته
تلامس عنق بعيره
،
﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ
وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
.
إخوانا الكرام ، النبي عليه الصلاة والسلام مع
أصحابه في بدر انتصروا
،
والآية تقول :

( سورة آل عمران الآية : 123
).
أي أنتم مفتقرون إلى الله ، النبي عليه الصلاة
والسلام ومعه أصحابه الكرام وهم خيرة الخلق
،
ومعهم سيد الخلق لم ينتصروا في حنين ، لماذا ؟
لأنهم قالوا :
(( ولا يُغلَبُ اثنا عشَرَ ألفاً مِنْ قِلةٍ
)) .
[ أخرجه أبو داود والترمذي
والحاكم في المستدرك عن ابن عباس ] .

( سورة التوبة) .
درس بليغ
إخواننا
الكرام ، درس بليغ تحتاجه كل يوم
،
بل كل ساعة ، إن قلت
:
الله
،
تولَّك الله ، وإن قلت
:
أنا تخلَّ الله عنك ، ولست أكرم على الله من
أصحاب رسول الله ، لست أكرم على الله من أصحاب النبي الذين
باعوا حياتهم في سبيل الله ، ومع ذلك لم ينتصروا ، فحينما تعتز
بقوتك أو بمالك ، أو بنسبك ، أو بمنصبك يتخلى الله عنك ،
وحينما تفتقر إلى الله يتولاك بالرعاية ، لذلك قبل أن تقدم على
أي عمل ، قبل أن تقدم مشروعاً ، قبل أن تقابل مسؤولاً قبل أن
تقف موقفاً عصيباً قل
:
اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي
،
والتجأت إلى حولك وقوتك
،
يا ذا القوة المتين ، تبرأت من حولي وقوتي
وعلمي ، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك
،
يا ذا القوة المتين ، هذا معنى قوله تعالى
حينما أُمر
e
بالهجرة : ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ
صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ
لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا ﴾ .
انطلاق النبي
e
إلى غار ثور
بصحبة أبي بكر : دروس وعبر
وقد انطلق النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغار
من بيته حيث حاصره المشركون يريدون قتله ، فلبس علي بن أبي
طالب رضي الله عنه ثوبه
،
ونام في مكانه ، واخترق النبي صلى الله عليه
وسلم حصار المشركين دون أن يروه بعد أن أوصى علياً بأن يخبر
أبا بكر أن يلحق به ، فجاء أبو بكر وعلي نائم
،
وأبو بكر يحسب بأن نبي الله في بيته ، فقال
:
يا نبي الله
،
فقال علي
:
إن نبي الله قد انطلق نحو بئر ميمون ، فأدركه ،
قال
:
فانطلق أبو بكر فدخل معه في الغار ، قال
:
وجعل علي يرمي بالحجارة كما كان يرمي نبي الله
، وهو يتضور ، فقد لف رأسه بالثوب لا يخرجه حتى أصبح ، ثم كشف
عن رأسه فقالوا
:
إنك للئيم ـ توقعوا أن النبي في البيت ـ كان
صاحبك نرميه فلا يتضور ، وأنت تتضور
،
وقد استنكرنا ذلك ، إذاً النبي خرج من بيته إلى
غار ثور .
مرة ثانية للتذكير
:
الذي انتقل من مكة إلى بيت المقدس بلمح البصر
لمَ لم ينتقل من مكة إلى المدينة بلمح البصر؟ لأنه قدوة لنا ،
هذا يذكرنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هاجر نهاراً جهاراً
متحدياً ، قال
:
من أراد أن تثكله أمه ، أو أن يتيم ولده ،
فليلحق بي إلى ذلك الوادي
،
وقد يسأل سائل
:
أيعقل أن يكون عمر بن الخطاب أشجع من رسول الله
؟ الجواب
:
لا ، وألف لا ، ولكن عمر ليس مشرّعاً
، لكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرّع
، النبي مشرع ، ويجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم
تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
أمر أبو بكر الصديق رضي الله
عنه عامر بن أن يصحبهما في هجرتهما ليخدمهما ، ويعينهما على
الطريق ، وحمل أبو بكر رضي الله عنه ثروته ليضعها تحت تصرف
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
المؤمن بين طريق القوة والغنى
والعلم والمنصب
إخواننا
الكرام ، المال قوة ، والمنصب قوة ، والعلم قوة ، والمؤمن
القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ، لأن المؤمن
القوي يحمل معك ، والمؤمن الضعيف ينبغي أن تحمله ، وفرق كبير
بين من يحمل معك ، وبين من تحمله ، ولكن المؤمن الضعيف على
العين والرأس ، لكن لا بد من تعليق ، وهذا التعليق نحن في أشدّ
الحاجة إليه
،
اسمعوا :
إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله
فينبغي
أن تكون قوياً
،
لأن فرص العمل الصالح المتاحة للقوي ليست متاحة
للضعيف ، فالقوي بجرة قلم يحق حقاً ، ويبطل باطلاً
،
يقر معروفاً ويزيل منكراً بجرة قلم ، والضعيف
هو يزاح من عمله بجرة قلم ، وفرق كبير بينهما ، لكن إذا كان
طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، أما إذا
كان طريق القوة على حساب دينك وقيمك ، ومبادئك الضعف وسام شرف
للإنسان .
لذلك الأهداف النبيلة لا يمكن إلا أن يختار لها
الإنسان وسائل نبيلة ، الوسيلة من جنس الهدف ، أما عند الأعداء
فالهدف
يبرر الوسيلة ، الغاية تبرر الوسيلة ، عند المسلمين لابد للهدف
النبيل من وسيلة نبيلة ، وإذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج
الله
فينبغي
أن تكون غنياً ، لأنك إذا كنت غنياً يمكن أن تنشئ ميتماً ، و
مستشفى ، ومعهداً شرعياً ، وأن تزوج الشباب ، وأن تربي الأيتام
، وأن تكون لك أعمال كالجبال .
<<
حبذا المال أصون به عرضي وأتقرب به إلى ربي
>>
.
يقول أحد العلماء :
"
مساكين أهل الدنيا
،
جاؤوا إلى الدنيا
،
وخرجوا منها
،
ولم يذوقوا أطيب ما فيها ، أطيب ما فيها العمل
الصالح
"
.
يا رب
،
لا يطيب الليل إلا بمناجاتك ، ولا يطيب النهار
إلا بخدمة عبادك .
والله أيها الإخوة
،
هؤلاء الذين سمح الله لهم أن يعملوا الأعمال
الصالحة هم في قمم السعادة ، هؤلاء الذين سمح الله لهم أن
يكونوا جنوداً للحق ، هم في قمم السعادة ، إذا كان طريق الغنى
سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون غنياً ، أما إذا كان طريق
الغنى سببه الكذب والاحتيال ، وأن يبيع الإنسان دينه بعرض من
الدنيا قليل الفقر وسام شرف لك ، الأهداف النبيلة لا بد لها من
وسائل نبيلة .
لذلك صهر النبي صلى الله عليه وسلم لم يسلم ،
بقي مشركاً ، وقد احتجزت بضاعته التي كانت معه في طريقه إلى
مكة ، ووقع أسيراً ، أجارته زوجته ، وكانت في المدينة ، فالنبي
أجاره ، قيل له بحسب النظام القائم
: إنك
إذا أسلمت ، فهذه البضائع تصبح ملكاً للمسلمين ، على أساس دار
الحرب ودار السلم في
الحروب
،
لأن
أموال المحارب هي غنائم ، قال كلمة والله لا
أنساها ، قال : والله ما أحب أن أبدأ إسلامي بهذا ، مغطى ، ذهب
إلى مكة ، ووزع الأموال على أصحابها ، وبرأ ذمته تماماً ، ثم
شهد أنه لا إله إلا الله ، وأن محمد رسول الله ، فالأهداف
النبيلة يجب أن تسلك إليها الوسائل النبيلة
،
وقد ذكرت أسماء بنت أبي بكر أنها كانت خمسة
آلاف أو ستة آلاف درهم .
والله أيها الإخوة لو يعلم
أصحاب الأموال كم يستطيعون أن يصلوا إلى درجات الجنة بأموالهم
لما ترددوا لحظة .
لأن روح الميت ترفرف فوق النعش ، تنادي الأهل ،
هكذا ورد في الأثر :
"
يا أهلي يا ولدي ، لا تلعبن بكم الدنيا كما
لعبت بي ، جمعت المال مما حل وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير
حله ، فالهناء لكم والتبعة علي
"
.
ورد في الأثر أيضاً :
"
أن الله يوقف عبدً أعطاه مالاً ، يقول له
:
عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال
:
يا رب لن أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على
أولادي من بعدي ، يقول الله له
:
ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين ؟ إن
الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يسأل عبداً آخر
أعطاه مالاً قال
:
عبدي ، أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ قال
:
يا رب ، أنفقت على كل محتاج ومسكين ، لثقتي
بأنك خيراً حافظاً ، وأنت أرحم الراحمين ، قال الله عز وجل
:
عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك
"
.
تنبيه خطير
:
إن الرجل ليعبد الله ستين عاماً ، ثم يضر
بالوصية فتجب له النار
،
يريد ألا يعطي البنات شيئاً ، يخص ثروته الذكورَ
، متوهماً بوحي من الشيطان أنك إذا أعطيت البنات انتقل المال
إلى أسر غريبة ،
هل
أنت أحكم من الله ؟! النبي عليه الصلاة والسلام
لم يسمح له بتوزيع الأموال ، تولاها الله بذاته ، الفرائض أين
أحكامها ؟ في القرآن الكريم .
مكوث النبي
e
في الغار
واتخاذه جميع أسباب السلامة
ومكث النبي صلى الله عليه وسلم
والصديق رضي الله عنه في الغار ثلاث ليال تمكن المشركون خلالها
من اقتفاء آثارهم إلى الغار ، وقد ذكرت كثيراً أن حكمة وصول
المطاردين إلى الغار ليعرف العالم كله أن النبي صلى الله عليه
وسلم حينما أخذ بالأسباب لم يعتمد عليها ، ولكنه اعتمد على
الله ، وهذا الموقف دقيق جداً ، يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها
كل شيء فيما يبدو ، ويجب أن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
العالم الغربي أخذ بالأسباب
واعتمد عليها ، وألهها ، فوقع بالشرك ، والعالم الشرقي لم يأخذ
بها مدعياً أنه متوكل على الله ، وهذا ليس توكلاً بل تواكلاً ،
وقع في المعصية .
الأخذ
بالأسباب من تمام التوكل
حينما تجري مراجعة للمركبة
تامة ، وتعتقد أنه لم يحدث حادث لأنك أجريت مراجعة تامة المكبح
، والزيت ، والعجلات ، وتوهمت أنك في مأمن للحادث ، أنت أخذت
بالأسباب ، واعتمدت عليها ، لكن المؤمن يعتقد مع أنه أخذ
بالأسباب لو أن الله أراد أن يؤدبه لألغيت الأسباب ، لذلك
الحكمة يجب أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، وبعد ذلك يا رب
أنت الحافظ ، أنت الموفق ، أنت المسلم يا رب ، طبعاً سهل جداً
أن تأخذ بالأسباب ، وتعتمد عليها ، وسهل جداً ألا تأخذ بها ،
وأن تتواكل على الله ، لكن البطولة أن تأخذ بالأسباب بشكل دقيق
، ثم تتوكل على الله ، وكأنك لم تأخذ بالأسباب .
الحالة الثالثة صعبة تحتاج إلى
علم عميق ، وإيمان دقيق .
إخواننا
الكرام ، هذا أخطر شيء يعاني منه العالم الإسلامي ، ينتظر أن
تقع معجزة ، لن تقع معجزة ، لأن المسلمين لم يأخذوا بالأسباب ،
لم يعدوا لعدو القوة التي أمرهم الله بها ، فالأولى أن نأخذ
بالأسباب إن أخذنا بها الآن تولّنا الله عز وجل .
قال أحدهم : سأصلح العالم كله في عشر سنوات ،
العالم كله ، القارات الخمس ، الدول كلها ، ومضت السنوات العشر
،
ولم يستطع أن يفعل شيئاً ، قال
:
إذاً سأصلح بلدي في خمس سنوات ، السنوات الخمس
مضت
،
ولم يستطع أن يفعل شيئاً ، قال
:
إذاً سأصلح مدينتي في سنتين ، والسنتان مضتا ،
ولم يفعل شيئاً ، قال
:
إذاً سأصلح بيتي في عام ، مر العام ، ولم يصلح
البيت ، قال
:
إذاً سأصلح نفسي أولاً ، وقرأ قوله تعالى :

(سورة الرعد الآية : 11 ) .
التوجُّه إلى الأعمال
الصالحة
الميسَّرة
إخواننا
الكرام ، بالمناسبة ذكرت قضية أنا أراها حساسة جداً ولا أبالغ
، مليون شيء يمكن أن تفعله في ظل هذه الظروف الصعبة ، في ظل
الضغوط ، في ظل العقبات ، في ظل حرب عالمية ثالثة أعلنت على
المسلمين في شتى بقاع الأرض ، يمكن أن تفعل مليون شيء دون أن
تُسأل ، دون أن تحاسب ، ألا تستطيع أن تكون صادقاً ؟ ألا
تستطيع أن تكون أميناً ؟ ألا تستطيع أن تكون متقناً لعملك ؟
ألا تستطيع أن تعتني بأهل بيتك ؟ ألا تستطيع أن تعتني بصحتك ؟
ألا تستطيع أن تربي أولادك ؟ كل هذه الأعمال بإمكانك أن تفعلها
من دون أن تحاسب عليها ،
لكنْ
يأتي إبليس ليزهدك بكل ما تستطيع ، ويدفعك إلى ما لا تستطيع ،
هذا من تلبيس إبليس ، يزهدنا فيما نستطيع ، ويقحمنا فيما لا
نستطيع ، هنا الإشكال .
لذلك قالوا : أقم أمر الله
فيما تملك يكفك ما لا تملك ، لكنْ ماذا تملك أنت ؟ تملك نفسك ،
وتملك أسرتك ، وتملك عملك ، إذا كل مسلم أقام الإسلام في نفسه
، وفي بيته ، وفي عمله ، وانتهى كل شيء .

( سورة البقرة الآية: 286) .
الذي تطمح إليه لا تستطيعه
جميع الدول الإسلامية مجتمعة ، تهمل ما أنت قادر عليه ، وتقحم
إلى ما لا تستطيع أن تفعله ، هذا من تلبيس إبليس ، من تلبيس
إبليس أن تنصب نفسك وصياً على المسلمين ، تقيمهم ، وتكفر من
تكفر ، وتبدع من تبدع ، هذا أيضاً من تلبس إبليس ، تحرك ، اعمل
، أقول لكم من القلب :
(( انتهى عهد النوم يا خديجة
)) .
[ورد في الأثر]
السيدة خديجة التمست من النبي
e
أن يأخذ قسطاً من الراحة ، فقال : يا خديجة
انقضى عهد النوم ، ونحن الآن ينبغي أن نقول
:
انقضى عهد النوم ، ويجب أن نقول
أيضاً
:
وانتهى عهد الكلام ، نريد عهد العمل ، لأن
الطرف الآخر يريد إفقارنا ، وإضلالنا ، وإفسادنا ، وإذلالنا ،
وإبادتنا .
والحمد لله رب العالمين
|