أيها الإخوة الكرام ، لا زلنا
في بناء الدولية الإسلامية في المدينة ، والحديث اليوم عن
تأسيس القاعدة الإدارية والأمنية والدعوية ، وهو آخر موضوع في
مثل هذه الموضوعات .
مر معنا
أيها الإخوة كيف كانت بداية بناء المجتمع المدني بإقامة عهد
المدينة ، والذي نص على أن أهل يثرب أمة واحدة ، سلمهم واحدة ،
وحربهم واحدة ، وهذا مِن فِعل النبي عليه الصلاة والسلام ،
فكأنه أول من رسخ مفهوم المواطنة أو التعايش ، والعالَم اليوم
في أمسّ الحاجة لمفهوم المواطنة والتعايش حقناًَ للدماء .

1 – التشريع من عند الله وحده ، ولا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق
:
حينما يشرّع الإنسان فإنّه
يشرّع بنظر قاصر ، يشرّع من زاوية واحدة ، ولمصلحته ، فيأتي
تشريعه ناقصاً ، فإذا حابى نفسه في التشريع ، وحرم غيره نشأت
الفتن ، ولكن من أولى الخصائص المنهج الإلهي أن المشرّع ليس
بشراً ، هو خالق البشر ، هو خالق الجميع ، لا يحابي أحداً ،
ولا يحرم أحداً ، ولا يعطي أحداً ما ليس له .
لذلك النفوس جميعاً تخضع
لتشريع سماوي ، ولا تخضع لتشريع من بشر عنده قصر نظر ، أو عنده
رؤية محددة ، أو عنده أهواء ومصالح يريد أن يحققها على حساب
المجموع العام .
هذا مبدأ من مبادئ الإدارة :
((
لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
)) .
سيدنا الصديق رضي الله عنه في
أول خطاب خطبه قال فيه : << أطيعوني ما أطعت الله فيكم ، فإن
عصيته فلا طاعة لي عليكم >> .
في مجتمع المسلمين أمر الله هو
النافذ ، تشريع الله هو المعتمد ، الأمة الإسلامية تشريعها
القرآن ، وتفاصيل تشريعها سنة النبي العدنان ، هذا الذي قامت
عليه القاعدة الإدارية .
مثلاً : غير مسموح لبلاد
المسلمين أن يُنشَأ فندق من خمس نجوم ما فيه خمر ، هذه القاعدة
لمن ؟ مَن قالها ؟ ما دام الفندق من خمس نحوم فلا بد له من
مسبح مختلط ، ومن بيع خمر ، وفي نظام الإدارة الإسلامية الخمر
محرمة ، فيكون الفندق خمس نجوم ، وسبع نجوم ، وعشر نجوم ، وما
فيه خمر ، وأحيانا يتهمون المسلمين أنهم متمسكون بتعاليم دينهم
تعصبا أو تمسكا ضيقا ، والحقيقة أن عند الطرف الآخر قواعد
تافهة ، ولا معنى لها ، والجميع متمسكون بها تمسكا مذهلاً .
لذلك الآن في العالم الإسلامي لا تعطى فرصة
لفندق خمس نجوم إلا إذا وزع فيه الخمر ، ولحم الخنزير ، هذا
تشريع مَن ؟ من قال ذلك ؟ هذا القاعدة من قعدها ؟ من شرعها ؟
أما في مجتمع المسلمين الحقيقي فأمر الله هو المعتمد ،
((
لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
)) .
الآن من لوازم العرس عند المسلمين أن يجلس
العروس على منصة وأمامه المدعوات في ثياب فاضحة مبتذلة
.
(( كاسيات عاريات ، مائلات
مميلات )) .
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .
من قال ذلك ؟ فإذا اعتذر أن
يجلس أمام المدعوات يظن أن به عيباً خطيراً ، مَن قال ذلك ؟
إنها تقاليد ما أنزل الله بها من سلطان .
أبلغ من ذلك : هناك مصمم أزياء
يهودي في فرنسا ، تصميم ثياب المسلمات بيده ، يقصر منها ،
ويطيل ، يضيق ، يحدِث شقا ، فأعراض الجهلة بيده ، وهو مصمم
أزياء يهودي ، وكأن صرعات الأزياء منهج يعبد من دون الله ،
يقول أحدهم : لا أقدر ، إنها ( موضة ) ، من قال ذلك ؟
القاعدة المعتمدة في النظام
الإداري الإسلامي :
((
لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ
)) .
[ أحمد عن علي ]
طاعة الله ورسوله ، والالتزام
بكتاب الله ، وسنة رسوله ، هذه قاعدة أولى .
نحن أمة معنا وحي السماء ، نحن
أمة أكرمنا الله بخاتم الأنبياء ، نحن أمة معنا دستور من عند
خالق الأكوان ، فلا معنى لوجودنا ، ولا لتقدمنا ، ولا لتألقنا
إلا بطاعة ربنا .
2 – الشورى بين المسلمين :
القاعدة الثانية في النواحي الإدارية التي أرسى
دعائمها النبي عليه الصلاة والسلام هي الشورى فيما بين
المسلمين .

(
سورة الشورى الآية : 38 ) .
أبلغ من ذلك : أن هذا النبي
الكريم ، وهو الإنسان الأول سيد الأنبياء ، وسيد الرسل ، وسيد
ولد آدم ، أمره الله أن يشاور أصحابه ، قال :

(
سورة آل عمران الآية : 159 ) .
فالمشاورة منهج إسلامي تقوم
عليه الدولة الإسلامية .
بل إن النبي عليه الصلاة
والسلام شاور زوجته أم سلمة في صلح الحديبية ، وأخذ بمشورتها ،
ونجحت مشورتها ، الشورى مبدأ .
أنا أقول لمن تولى أمر مؤسسة
أو مستشفى ، أو جامعة : اسأل مَن حولك ، خذ برأيهم ، من أنت
أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمره الله أن يشاور
أصحابه ؟ .

الآن ومضة تؤكد هذه الحقيقة :
موقع الجيش الإسلامي في غزوة
بدرٍ :
لحكمة بالغةٍ أرادها الله عز
وجل حجب الله عن نبيه الكريم الموقع المناسب يوم بدر وحياً
وإلهاماً واجتهاداً ، فلم يأته الوحي بالموقع ، ولم يحسن
اجتهاد الموقع ، ولم يلهم صواب الموقع ، لحكمة بالغة ، فجاء
صحابي جليل قمة في الأدب ، فسأل النبي على استحياء ، قال : يا
رسول الله ، هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك ، فإذا كان وحيا
فلا نتكلم كلمة ولا حرفا ، أم هو الرأي أم المشورة ؟ فقال عليه
الصلاة والسلام : بل هو الرأي والمشورة ، أي اجتهاد ، فقال هذا
الصحابي الجليل : والله يا رسول الله ليس هذا بموقع ، بكل
تواضع ، وبكل رحابة صدر ، وبكل نفس رضية ، وبكل تقدير ، فقال
له : جزاك الله خيراً ، أين الموقع المناسب ؟ فدله عليه ، أمر
أصحابه أن يتحولوا إليه ، هذه هي الشورى .
لأن فضيلة الرجوع إلى الحق لا
يمكن أن تظهر من النبي ، لماذا ؟ لأنه معصوم لا يخطئ ، فالله
عز وجل حجب عنه الموقع المناسب ، حجبه وحياً ، وحجبه إلهاماً ،
وحجبه اجتهاداً ، كي يشرع لنا فضيلة الرجوع إلى الحق .
نسيان النبي ركعتين مِن صلاة
الظهر :
النبي لا ينسى :

( سورة الأعلى ) .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(( أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ
اثْنَتَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ : أَقَصُرَتْ
الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَدَقَ
ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَقَالَ النَّاسُ : نَعَمْ ، فَقَامَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى
اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ كَبَّرَ
فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ
)) .
[ متفق عليه ]
سأل أصحابه عن حقيقة الأمر ،
وهذا اسمه تقصي الحقائق ، فإذا بهم يؤكدون أنه صلى ركعتين ،
وقد ورد في بعض الكتب أنه قال : إنما نُسيت كي أسن ، النبي لا
ينسى ، إذاً : كيف يشرع لنا سجود السهو ، مستحيل ، إلا أن
ينسيه الله عز وجل ، لذلك قال تعالى :
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا
تَنسَى ﴾ :

(
سورة الأعلى ) .
لحكمة بالغة .

إذاً : مجتمع المؤمنين أمرهم
شورى بينهم ، مجتمع المؤمنين يتشاورون ، يتناصحون ، يتبادلون
الخبرات ، يؤثر بعضهم بعضاً ، يتطاوعون ، ولا يتنافسون ، هذه
من خصائص مجتمع المؤمنين .
من خصائص مجتمع المسلم : أن
المؤمنين يبذلون كل ما يملكون من نفس ومال ومتاع في سبيل دين
الله ، والدفاع عن مقدساته ، وحرماته .
إخواننا الكرام ، المشكلة أن
انتماء الناس لا إلى مجموعهم ، ولا إلى دينهم ، ولكن انتماء
الناس انتماء شخصي ، فالبيت الذي دخل صاحبُه السجن في عهد عمر
هو شعار كل إنسان ، ألاَ و هو :
دَعِ المَكارِمَ لا تَرحَل
لِبُغيَتِهــا وَاِقعُد فَإِنَّكَ أَنتَ الطاعِمُ الكاسي
***
الآن هو شعار أيّ إنسان ، أهم
شيء دخلٌ وفير ، بيت ، زوجة ، نزهات ، وعلى الدنيا السلام ،
تجد البلد مسلما ، وتقام فيه الحفلات في والمطاعم ، والرقص ،
والفجور ، وحول البلد قتل وإزهاق أرواح ، واغتصاب ، وكأن
المسلمين لا ينتمون إلى مجموع المؤمنين ، بل ينتمون إلى ذواتهم
، وإلى حظوظهم ، وهذا وصمة عار في حق الأمة الإسلامية ، بينما
الحديث الصحيح يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ
حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ )) .
[ متفق عليه ] .
وللحديث زيادة :
(( ويكره له ما يكره لنفسه ))
.
[ رواه سَعِيدِ بنِ أَبي
سَعِيدٍ عن أَبِيهِ عن أَبي هُرَيْرَةَ ] .
حينما تحمل همّ المسلمين تكون
مسلماً ، وحينما تحمل همّ المؤمنين تكون مؤمناً ، وحينما تبذل
كلما تملك من أجل تخفيف الأذى عنهم ، أو نصرتهم فهذه علامة
الإيمان .
هناك كلمات عند العامة قذرة ،
لا دخل لنا ، فخار يكسر بعضه ، سلامتك يا راسي ، كل من أخذ أمي
فهو عمي ، هذه كلمات الكفر والبعد عن الله عز وجل .
3 – المشاركة الجادة والمستمرة
في بناء الحياة الإسلامية في كل المجالات :
ومن قواعد القاعدة الإدارية
المشاركة الجادة والمستمرة في بناء الحياة الإسلامية الجديدة
بكل المجالات ، وعلامة الإيمان أنك تشارك غيرَك ، والمسلمون في
أول عهدهم كانوا كتلة واحدة ، وقلباً واحداً .
عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ
بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((
مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ
وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ ، إِذَا
اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ
بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )) .
[ أخرجه البخاري ومسلم
عن النعمان بن بشير ، واللفظ لمسلم ] .
4 – مشاركة المرأة في بناء
المدينة الإسلامية :
بقي شيء مهم في الحياة
الإدارية نحن مقصرون فيه ، وهو : مشاركة المرأة في بناء هذه
المدينة الإسلامية .
إنّ المرأة لها دور كبير ، وفي
عصور الانحطاط هُمِّش دورها ، والمرأة لا تقلّ أهميةً عن الرجل
، بل هي مساوية له في التكييف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية ،
ومكلفة بأركان الإسلام ، كما هو مكلف بأركان الإسلام ، ومكلفة
بأركان الإيمان ، كما هو مكلف بأركان الإيمان ، ومشرفة بطاعة
الله ، كما هو مشرف بطاعة الله ، ومسؤولة عما استرعها الله ،
كما هو مسؤول عما استرعاه الله ، المرأة مساوية مساواة تامة في
التكليف ، وفي التشريف ، وفي المسؤولية .
لذلك حينما يعلِّم الإنسان
بناته يرتقي بالفتيات إلى مستوى هموم المسلمين ، أما إذا تركت
الفتاة من دون تعليم انشغلت باهتمامات نسائية تبعدها عن قضايا
أمتها الكبرى .
فلذلك مشاركة المرأة في بناء
هذه الأمة الإسلامية مشاركة حتمية تؤكد أن المرأة نصف المجتمع
، وأن المجتمع يقوم على شقين النساء والرجال .
5 – احترام حقوق الإنسان
والحرص على سلامته :
شيء آخر يقوم على إدارة المجتمع كقاعدة : إنه
احترام الإنسان ، والحرص على سلامته ، والتمتع بكل حقوقه التي
منحها الله له غير منقوصة ، وبالتالي بذل كل الجهود لخدمة
وإيصال كلمة الحق إليه ، وله حرية الاعتقاد لقوله تعالى
:

(
سورة البقرة الآية : 256 ) .
إنّ الإنسان مكرم ، وسيدنا عمر
أوّل أكدّ هذا الحق ، قال : << متى استعبدتم الناس ولقد ولدتهم
أمهاتهم أحراراً >> ، فالإنسان كل شيء من أجله ، النظم من أجله
، حتى الثورات في تاريخ البشرية من أجله ، حتى العلم من أجله ،
والطب من أجله .
لذلك حينما يكون الإنسان ضحية
في مجتمع ما فهذه هي الطامة الكبرى ، لأن الإنسان هو الضحية .
مثلاً : في بعض البلاد سباقات
الجمال ، يأتون بطفل صغير ، لأن وزنه خفيف ، يركب هذا الجمل ،
وتخريب عموده الفقري حتمي ، لأن عظمه رقيق وطري ، يركب هذا
الطفل ، وفي الأعم الأغلب يسقط فيموت ، أو يصاب بأمراض مزمنة
في عموده الفقري ، مَن هو مسخر للآخر ؟ الجمل للإنسان ؟ أم
الإنسان للجمل ؟ هذا السباق خلاف منهج الله عز وجل ، لأن الله
سبحانه وتعالى سخر للإنسان كل شيء :

(
سورة الجاثية الآية : 13 ) .
الآن الحمد لله السباقات من
دون راكب ، سباق يتم من دون أطفال يركبون على ظهر الجمل ، هذا
تطور إيجابي .
فلذلك احترام الإنسان واجب ، الإنسان من حقه أن
يحيى
،
من حقه أن يعتقد ما يشاء ، من حقه أن يكون حراً
، وهذه هي حقوق الإنسان ، والإسلام أولُ مَن نادى بها .
حينما جاء رجل قبطيٌّ إلى
سيدنا عمر يشكو له ظلم ابن أمير مصر ، فاقتص منه ، وقال له
سيدنا عمر : << اضرب ابن الأكرمين >> ، وقال بعدها قولته
الشهيرة : << متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟
>> .
الإسلام يحترم الإنسان .
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ :
((
كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ
لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ
)) .ِ
[ أبو داود ]
النبي عليه الصلاة والسلام وقف
لجنازة ، فقيل : هذه جنازة يهودي ، فقال : أليس إنساناً ؟ كان
يحترم الإنسان ، كائناً من كان ، وأية حضارة لا تقوم على
احترام الإنسان فليست حضارة .
لذلك أنا أقول بملء فمي : هناك
بلاد يظنها الناس متحضرة ، وهي متوحشة ، لأنها تقيم فروقاً
عرقية بين شعب أبيض وشعب آخر أسود .
مرة قال بعض أصحاب النبي كلمة
سيئة مخاطبا بها رجلا آخر ، فأنكر عليه النبي عليه الصلاة
والسلام ، فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ : لَقِيتُ
أَبَا ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ ، وَعَلَى
غُلَامِهِ حُلَّةٌ ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ :
إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ ، فَقَالَ
لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((
يَا أَبَا ذَرٍّ ، أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ ؟
إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ
… )) .
[ متفق عليه ]
فأصرّ قائل هذه الكلمة أن يضع
رأسه على الأرض ليدوس ذلك الرجل على رأسه ، تكفيراً لذنبه الذي
ارتكبه .
لذلك الإنسان محترم في الإسلام
، والمرأة محترمة في الإسلام
، واحترام
الإنسان والحرص على سلامته ، والتمتع بكل حقوقه التي منحها
الله له غير منقوصة ، وبالتالي بذل كل الجهود لخدمته ، وإيصال
كلمة الحق إليه ، يؤكد هذا قوله تعالى :

(
سورة التوبة الآية : 6 ) .
وله حرية الاعتقاد
، لقوله تعالى
:
﴿
لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ
﴾ .

أيها الإخوة الكرام ، هذه
مبادئ الإدارة في مجتمع المسلمين ، وينبغي أن نأخذ بها جميعاً
على مستوى البيت ، على مستوى المدرسة ، على مستوى المؤسسة ،
على مستوى المعمل ،
على مستوى الجامعة
، يجب أن يكون
الناس سواسية كأسنان المشط ، والإنسان يجب أن يكون محترماً
، لأنه هو
المعني بكل ثورة في الأرض ، وبكل منهج إلهي ، لأن الله سبحانه
وتعالى يقول :

(
سورة البقرة الآية : 30 ) .
ويقول أيضاً :

(
سورة الذاريات ) .
ويقول أيضاً :

(
سورة الجاثية الآية : 13 ) .
ويقول أيضاً :

(
سورة الإسراء ) .

أضرب لكم مثلاً : سيدنا عمر في
عهده جاءه ملَك الغساسنة مسلماً ، إنه جبلة بن الأيهم ، أعلن
إسلامه ، ورحب به عمر أشد الترحيب ، ثم توجه إلى الكعبة ليطوف
حولها بعد أن أسلم ، في أثناء الطواف داس بدوي من فزارة طرف
ردائه ، فانخلع رداءه عن كتفه ، فالتفت جبلة إلى هذا البدوي من
فزارة ضربه ضربة هشمت أنفه ، فما كان من هذا البدوي إلى أن
توجه إلى عمر ليشتكي إليه ، سيدنا عمر استدعى جبلة ، وقف جبلة
أمام عمر ، وإلى جانبه هذا البدوي من فزارة ، وجرى حوار ، بعض
الشعراء المعاصرين صاغه شعراً .
قال سيدنا عمر :
أصحيح ما ادعى هذا الفزاري
الجريح ؟
قال جبلة :
لست ممن ينكر شيا ، أنا أدبت
الفتى أدركت حقي بيديا .
فقال عمر :
أرضِ الفتى لا بد من إرضائه ما
زال ظفرك عالقاً بدمائه .
أو يهشمن الآن أنفك ، وتنال ما
فعلته كفك .
قال جبلة :
كيف ذاك يا أمير ؟ هو سوقة .
أي من دهماء الناس ومن عامتهم
.
هو سوقة وأنا عرش وتاج .
كيف ترضى أن يخر النجم أرضا .
فقال عمر :
نزوات الجاهلية ، ورياح
العنجهية قد دفناها .
أقمنا فوقها صرحاً جديدا ،
وتساوى الناس أحراراًَ لدينا وعبيدا .
فقال جبلة :
كان وهماً ما جرى في خلدي أنني
عندك أقوى وأعز .
أنا مرتد إذا أكرهتني .
فقال عمر :
عالَم نبنيه ، كل صدع فيه
يداوى ، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى .

هذا هو الإسلام ، لذلك مرت
المجتمعات البشرية بمراحل بثلاث ، بعصر المبادئ ، وهذا أرقى
عصر ، وهذه القصة تشف عن عصر المبادئ ، ومر المجتمع البشري
بعصور متلاحقة تسمى عصور الأشخاص ، الشخص هو الأول ، كل الناس
له ، يعيشون له ، يمجدونه ، هذا العصر أقلّ رتبة من عصر
المبادئ ، ولكن الطامة الكبرى أن نصل إلى عصر الأشياء :

(
سورة الفرقان الآية : 43 ) .
أسوأ عصر يعيشه البشر هو عصر
الأشياء ، والدليل الآية الكريمة :

هذه الأشخاص .

هذه الأشياء .

(
سورة التوبة ) .
فالبطولة أن نعيش عصر المبادئ
، فإذا زلّت القدم انتقلنا إلى عصر الأشخاص ، فإذا انهارت
القيم انتقلنا إلى عصر الأشياء ، وفي عصر الأشياء قيمة المرء
متاعُه فقط ، قد يكون تاجر مخدرات ، لكن بيته فخم جداً ،
مركبته غالية جداً ، يعظمه الناس ، قد يبني ثروته على سحق
البشر ، لكن لأن بيته فخم ، مركبته من نوع غالٍ جداً يعظمه
الناس ، نحن في عصر الأشياء ، أما عصر المبادئ فقيمة المرء ما
يحسنه ، إنسان له دعوة ، له مبدأ ، له عمل صالح ، هذا عصر اسمه
عصر المبادئ .

أيها الإخوة ، عظمة هذا الدين
أنه قابل للتطوير على مستوى جماعي كبير ، على مستوى أمة ،
وقابل للتطبيق على مستوى أسرة ، فإن إن لم يتح لك أن تطبق على
مستوى أمة فلا أقلَّ مِن أن تطبقه على مستوى أسرة ، فكل إنسان
يحيى حياة نابعة من منهج الله وسنة رسوله .
فلذلك أنت مسؤول عن بيتك الذي
هو مملكتك ، وعن عملك الذي أيضاً مملكتك .

( سورة الرعد الآية : 11 ) .
أقم الإسلام في نفسك ، وفي
بيتك ، وفي عملك ، وتكون قد أديت الذي عليك ، عندئذٍ اسأل الله
الذي هو لك .

أيها الإخوة الكرام ، الإنسان
في هذه الحياة الدنيا له رسالة ، العبادة سر وجودنا ، لذلك
قال تعالى :
والعبادة طاعة طوعية ، ممزوجة
بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية .
نحن في هذا الدرس أنهينا
القواعد المتعددة التي جعلها النبي عليه الصلاة والسلام أركان
مجتمعه ودولته ، فمن البناء الفردي إلى المساواة بين الناس
وعدم التفريق ، والتمييز بينهم أفراداً وجماعات ، إلى إصلاح
العلاقات بين الأفراد ، وإزالة آثار ما سلف ، إلى أخلاق الحياة
اليومية والصحبة ، إلى جمع الشمل ، إلى البناء الاجتماعي
المؤاخاة ، والمؤاخاة في العهد المكي ، والمؤاخاة في المدينة ،
إلى أهداف المؤاخاة ، إلى صور المؤاخاة ، إلى نص عهد المدينة
الرائع ، إلى تأسيس القاعدة الصحية والعمرانية ، إلى البيئة
الطبيعية في المدينة ، إلى العمران النبوي في المدينة ، إلى
خطط المدينة ، إلى تأسيس القاعدة التعليمية والتربوية على
المستوى الفردي والجماعي ، إلى التدوين والكتابة ، وهي بداية
الطريق إلى تأسيس القاعدة الاقتصادية .
وننتقل بعدها في درس آخر إن
شاء الله إلى ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة .
والحمد لله رب العالمين