|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس "11" من تفسير سورة النساء (004) : الآيات 24-27
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق
الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم
الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا
علماً ، وأرنا الحق حقاً ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل
باطلاً ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه ، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الحادي عشر من دروس سورة
النساء ، ومع الآية الرابعة والعشرين ، وهي قوله تعالى :

بين الله جل جلاله المحرمات من النسب ، وبين المحرمات من
الرضاع ، وبين المحرمات من الزواج ، والآن يبين المحرمات من
اللواتي لهن أزواج ، تحريم نسب ، تحريم رضاع ، تحريم زواج ،
تحريم أزواج ، المحصنة لها زوج ، زوجها حصنها ، فالزوج محصن ،
والمرأة محصنة، أولاً يحميها ، يحقق لها حاجاتها من جميع
أنواعها ، لا تنظر إلى غيره ، تقصر طرفها عليه ، ومن أغرب ما
قرأت في كتاب لعالم غربي يتحدث عن أن أفضل نظام للبشرية أن
يقصر الرجل طرفه على زوجة واحدة ، بمعنى ألا يكون له أخدان ،
فهذه المحصنة محرمة ما دام لها زوج ، وليس في دين الإسلام ،
ولا في شرائع الله عز وجل لامرأة رَجُلان ، وفق منهج الله
المرأة لرجل واحد ، فهذه محصنة ، زوجها حصنها ، وكأنها في حصن
، والزوج حصن ، [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ النِّسَاءِ] ،
هؤلاء أيضاً محرمات على الرجال ، وأن يتزوجوا هذه المرأة التي
لها زوج ، فمحرم على الرجال أن يتزوجوا امرأة لها زوج ، ثم
يقول الله عز وجل :

والحقيقة ملك اليمين بحث طويل ، هذا البحث يتعلق بالفتوحات
الإسلامية ، لأن الإسلام دين الله عز وجل ، ولأن دين الله
إنساني ، ولأن الهدف البعيد من الفتوحات ليس التدمير ، وليس
الإبادة ، فالإسلام يعرض على الطرف الآخر عرضاً بيانياً ، فإن
أسلم الطرف الآخر أصبح من المسلمين ، له ما لهم ، وعليه ما
عليهم ، أول حركة أن تعرض الإسلام على هؤلاء ـ أنا أسميهم
الطرف الآخر ـ غير المسلمين ، فإن أسلموا فلهم ما لنا ، وعليهم
ما علينا ، والإسلام جمعنا معهم ، وأذابهم فينا ، وأذابنا فيهم
، وقد تتساءلون : أئمة عظام في الإسلام ليسوا عربًا ، الإمام
البخاري ، أنا أنقل لكم عشرات الأسماء ، لا يخطر ببالك لثانية
واحدة أنه غير عربي ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث
من أدق أحاديثه ، وهذا الحديث يتوافق مع أحدث نظرية في اللغة
يقول: ((ليست العربية لأحدكم من أب أو أم ولكن من تكلم
العربية فهو عربي)) .
هذا الذي أتقن العربية ، وأحب دين الله عز وجل في دمائه
كريات إسلامية عربية دون أن يشعر ، إذاً المسلمون أصحاب رسالة
، وقد جعلهم الله أمة وسطاً ، وسطاء بين الله عز وجل وبين
الخلق ، وهذه مرتبة عالية جداً اختص الله بها المسلمين والعرب
، والعرب حينما استجابوا لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام
أصبحوا خير أمة أخرجت للناس ، والجامعة العربية مزينة بهذه
الآية :

( سورة آل عمران الآية : 110 )
.
والآية الثانية :

( سورة آل عمران الآية : 103 )
.
لكن هذه أمة استجابة ، ما داموا قد استجابوا لله عز وجل إذاً :

علة الخيرية أنهم يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ،
ويؤمنون بالله ، فخيرتهم علتها الأمر بالمعروف ، والنهي عن
المنكر ، والإيمان بالله ، فإن لم يأمروا بالمعروف ، ولم ينهوا
عن المنكر، ولم يؤمنوا بالله فَقَدوا خيرتهم ، فأصبحوا أمة
كأية أمة ، لا شأن لها عند الله ، وهذا يؤكده:

أهل الكتاب ، فأجابهم الله عز وجل :

( سورة المائدة الآية : 18 ) .
ولا أجد آية تتعلق بأهل الكتاب تنطبق على المسلمين انطباقاً
تاماً كهذه الآية ، يقول لك أحدهم : نحن أمة محمد صلى الله
عليه وسلم ، الجواب : قل فلم يعذبنا الله بذنوبنا ، بل حينما
لم نستجب فنحن بشر ممن خلق ، هان أمر الله علينا فَهُنّا على
الله ، لذلك العلماء قسموا أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلى
أمتين ، الأمة الأولى أمة الاستجابة ، والأمة الثانية أمة
التبليغ ، التي استجابت هي خير أمة أخرجت للناس ، والتي لم
تستجب هي أمة التبليغ ، كأية أمة من الأمم ، بشر ممن خلق ،
المؤمنون الصادقون الذين أناط الله بهم رسالة هي نشر هذا الدين
في الآفاق ، ألا تسمعون هذه الأمة ذات رسالة خالدة ، رسالتها
الإسلام نشر هذا الدين في الآفاق .

( سورة البقرة الآية : 152 ) .
أما حينما لا نستجيب فنحن أمة كأية أمة ، إذاً في أعناقنا
رسالة ، في أعناقنا مهمة نشر هذا الدين، المنهج الذي رسمه الله
عز وجل ، وبينه النبي لنشر هذا الدين كما يلي :
أولاً : نعرض الإسلام عرضاً بيانياً على الطرف الآخر ، فإن
استجاب فهو منا ، ونحن منه ، له ما لنا ، وعليه ما علينا .

( سورة الحجرات الآية : 13 ) .
أما الآن ليفنِ بعضكم بعضا ، أبداً ، يقال : تطهير عرقي ، ما
هذا الكلام ؟ تطهير عرقي ، هذا الذي يقتل ليس قاتلاً ، وليس
سارقاً ، وليس منتهكًا لأعراض الناس ، ولكن لأنه مسلم يقتل .

( سورة البروج الآية : 8 ) .
فلأن الله جل جلاله أناط بنا مهمة تبليغ الرسالة بالخلق جميعاً
نعرض هذه الرسالة على الطرف الآخر ، فإن قبلها فهو منا ، ونحن
منه وعلى العين والرأس ، وإن لم يقبلها نعرض عليه الجزية،
الجزية لها معنى لطيف جداً ، المسلم لا يستطيع أن يحارب إلا عن
عقيدة ، المسلم حينما يحارب يحمل عقيدة سامية جداً ، هذه حرب
مقدسة ، هدفها نشر هذا الدين ، هدفها أن يُمكن دين الله في
الأرض ، هدفها لتكون كلمة الله هي العليا ، هدفها أن يدين
الناس بدين الله ، الحرب التي شرعها الله عز وجل حرب مقدسة ، [وَقَاتِلُوهُمْ
حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ] .
( سورة البقرة الآية : 193 ) .
الفتنة كم ترون من إنسان إباحي يفرض إباحيته على كل الأرض ،
هذه فتنة ، قد نحارَب بالمرأة ، قد نحارب بالقمار ، قد نحارب
بالبنوك ، قد نحارب بالميسر ، [وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا
تَكُونَ فِتْنَةٌ] ، لا يأتي إنسان قوي يفرض ثقافته ،
وإباحيته ، وانحرافه ، وتفلته على كل شعوب الأرض ، كما يجري
الآن تماماً ، وسوف ترون أيها الإخوة أن أهون غزوٍ الغزو
العسكري ، بينما الغزو الثقافي أخطر ألف مرة ، بالغزو العسكري
الجندي في ثكنته ، وأنت تحاربه ، أما بالغزو الثقافي فقد دخل
إلى بيتك ، وأفسد أولادك ، وأفسد بناتك ، وأفسد زوجتك ، ونقل
النمط الغربي إلى بلاد المسلمين ، الإباحية ، الاختلاط ، الربا
، الانحراف ، التعلق بالدنيا ، أنا لا أرى غزوًا أخطر من الغزو
الثقافي الذي ترونه الآن في مشارق الأرض ومغاربها ، لذلك حتى
لا تكون فتنة ويكون الدين لله عرضنا هذا الدين على الطرف الآخر
، فقبلوه ، فهو منا ، ونحن منه ، لم يقبله نقول له : أنت في
حمايتنا، ولك الحرية التامة في أن تمارس شعائر دينك ، ونحن
نحترم دينك ، ونحترم معتقدك ، ولا نقترب منهم أبداً ، ولكن لن
تستطيع أن تحارب معنا لأننا أصحاب عقيدة ، نحن حربنا حرب
أساسها نشر الحق ، والرحمة بالخلق وليس في الحرب الإسلامية
إبادة أبداً ، ولا قتل طفل ، ولا قتل امرأة ، ولا قتل شيخ ،
ولا قلع شجرة ، ولا قتل بهيمة ، ولا تجريف أراضٍ ، واقتلاع
أشجار ، وتدمير بيوت ، وتدمير ممتلكات ، هذه الحرب لا علاقة
لنا بها إطلاقاً ، الحرب الإسلامية حرب شريفة ، أساسها نشر
الحق ، فإن لم يرضَ أن يدخل في دين الله فهو حر ، لأنه لا
إكراه في الدين ، له أن يبقى على معتقده ، وله أن يمارس
العبادة في بيته ، وله أن يفعل ما يشاء ضمن النظام الإسلامي
العام ، ولكن هذا الذي أبى أن يسلم ، وبقي محافظاً على دينه لا
يمكن أن يقاتل معنا ، لأننا نحارب على عقيدة إسلامية ، إذاً
يدفع الجزية ، يعني تماماً كما يسميه الناس اليوم البدل النقدي
، هذه الجزية ، لكن مقابل هذا البدل نحن نحميه حماية تامة ،
كما فعل سيدنا خالد في حمص ، فإن أبى أن يسلم ، وإن أبى أن
يدفع الجزية ، وأصر على أن يقاتل نقاتله .

( سورة البقرة الآية : 190 )
.
لا نقاتل إلا المقاتل ، هذا هو الدين ، فإذا قاتلناه ،
وانتصرنا عليه فليس القصد أن نقتله ، القصد أن نهديه إلى الله
عز وجل ، فهو حينما رفض الإسلام أولاً ، ورفض أن يدفع الجزية
ثانياً ، وأصر على القتال ثالثاً ، ونحن أخذناه أسيراً ، أو
أخذناه وزوجته أسيرين ، الآن يدخل هذا الأسير ، وتلك الأسيرة
في دعوة إلى الله من نوع خاص ، دعوة بالتعامل اليومي ، أنت
ايتِ بإنسان ليعمل معك ، لو أنه على نقيض مع ما تعتقد ، لكن
رأى منك لطفاً ، ورحمة ، وعدلاً ، وإنصافاً ، أطعمته مما تأكل
، ألبسته مما تلبس ، ما كلفته ما لا يطيق ، أعنته على ما تكلف
به ، جعلت النهار لك ، والليل له ، هذه المعاملة الطيبة ، وهذا
الإكرام ؛ أن تطعم خادمك مما تأكل ، وأن تسقيه مما تشرب ، وأن
تلبسه مما تلبس ، وألا تكلفه ما لا يطيق ، وأن ترحمه ، وأن
تكرمه ، فهذا الأسير ـ أنا والله لا أبالغ لو أن الذي يحارب
أخذ هذا المقاتل الذي وقع أسيراً ، وعامله المعاملة التي شرعها
النبي عليه الصلاة والسلام فلا بد أن يسلم ، قال : فإن أسلموا
فإخوانكم في الدين ، انتهت العملية كلها ، مدرسة أخرى من مدارس
الدعوة إلى الله ، هذا الذي أفهمه من خلال أن يأخذ الجيش
الإسلامي أسيراً ، ليس القصد أن يقتله ، ولا أن يستخدمه ، ولا
أن يذله ، القصد فقط أن يعلمه الإسلام تعليماً عملياً .
لذلك لما جاء والد سيدنا زيد بن حارثة ليشتري من النبي هذا
العبد الذي كان ابنه ، قال للنبي الكريم : كم تطلب ؟ قال له :
لا أطلب شيئاً ، هو ابنك إن أراد أن يذهب معك فله الحرية ،
فأبى أن يذهب مع أبيه ، وأصر أن يبقى مع رسول الله ، قال له :
أتؤثر هذا الرجل على أبيك وأمك ، فقال سيدنا زيد : الذي رأيته
من هذا الرجل لا يوصف ، لم أره لا من أبي ، ولا من أمي ، أنا
هذا الذي أفهمه من نظام الأسر في الإسلام ، نريد أن نشر هذا
الدين نشرناه بالبيان ، فلم يقبل عرضنا الجزية ، فلم يقبل ذلك
، الآن حاربنا ، ولم نحارب حرب إبادة ، ولا حرب انتقام ، ولا
حرب إذلال ، ولا حرب تدمير ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام
حينما قال : ((الْحَرْبَ خَدْعَةً)).
(البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)
أي ينبغي أن ترسم خطة تأخذ الطرف الآخر أسيراً لا أن تدمره ،
الآن كم تسمعون في العالم المذابح الجماعية ، إبادة كاملة ، كل
يوم خبر ، اكتشفنا مقبرة جماعية ، إبادة ، في فتوح المسلمين
فيما يروي المؤرخون لم يكن أكثر من ثلاثمائة قتيل من الطرفين ،
الآن كل يوم ثمة خبران ثلاثة بالمئات تقريباً ، فهذا الطرف
الآخر إذا أسلم فله ما لنا ، وعليه ما علينا ، وإذا رفض أن
يسلم يبقى على دينه ، ونحترم الأديان الأخرى ، له أن يعبد الله
على نمطه ، نحترم دينه وأماكن عبادته ، نتسامح معهم ، لكن هذا
لا يستطيع أن يقاتل معنا ، لأن حربنا حرب عقيدة ، وحرب نشر دين
، إن أبى يدفع جزية نقاتله ، ونحرص ألا نقتله لنأخذه أسيراً ،
هذا الأسير من المعاملة الطيبة النادرة التي يلقاها من المسلم
يجب أن يسلم ، فإن أسلموا فإخوانكم في الدين ، انتهى الأمر ،
حرب إنسانية، هذا الذي في الإسلام عن الأسر والأسيرات ، وليس
هناك شيءٌ آخر .

النقطة الدقيقة أن ملك اليمين ولو أن لها زوجًا من الكفار
حينما أُخذتْ أسيرة لم تبقَ محصنة ، لقد فقدت إحصانها في أسرها
، سيدها التي هي ملكه له أن يتزوجها ، أو أن يزوجها لمن يشاء ،
وكأنه وليها ، طبعاً لأنها أسيره لا مهر لها ، المهر للحرة .

يعني كتب الله عليكم هذا الكتاب .

علاقة الرجل بالمرأة في منهج الله عز وجل علاقة مستمرة ،
ليس هناك علاقة طارئة أبداً ، العلاقة الطارئة ليست من منهج
الله عز وجل ، هذه المرأة ربطت مصيرها مع زوجها ، هي زوجته ،
وأم أولاده ، تكبر معه ، تتقاسم معه ما في حياته من حلو ومر ،
وفي كل مرحلة لها جمالها ، ولها مكانتها ، ولها قيمتها ، ولو
عرضت على أية امرأة في الأرض الزواج ، أو أن تكون متعة رخيصة
لا ترضى إلا الزواج ، ولكن للجهل الذي يهيمن على فتيات
المسلمين غير الذين عرفوا بناتهم بمنهج الله عز وجل قد يؤثرن
التفلت ، وقد يؤثرن الخروج ، قد يؤثرن علاقات لا ترضي الله عز
وجل ، هذا كله من الجهل ، ومن التغذية غير الإسلامية التي
تتغذى بها البنات كل يوم إلى منتصف الليل ، هذه التغذية في
مجموعها تهيئ تصورات للفتاة تجعلها تتفلت من منهج الله ، إذاً
: [وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ] ، محرمات من
النسب ، محرمات من الرضاع ، محرمات من الزواج ، محرمات الإحصان
، أربع زمر محرمة ، ما سوى ذلك حلٌّ لكم ، [وَأُحِلَّ
لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ] ، زوجة بعقد شرعي ، تؤسس
معها عشًّا زوجياً لإنجاب الأولاد ، وتربيتهم ، والنهوض بهذه
الأمة عن طريق الأولاد ، وليس في بالإسلام غير هذه العلاقة ،
علاقة اختلاط ، علاقة موظفة ، تكون تارة موظفة ، وتارة عشيقة
، هذا كله في الإسلام محرم ، قال : [أَنْ تَبْتَغُوا
بِأَمْوَالِكُ] ، هذا المال الذي جنيت بكسب يمينك وعرق
جبينك هذا المال ينبغي أن تدفع منه قسماً للمرأة ، أولاً
تكريماً لها ، وإشعاراً لك أن هذه الزوجة لها قيمة، وليست من
سقط المتاع ، قال :

أنا مضطر أن أعود إلى بعض آيات الله عز وجل التي ذكر فيها
الأجر ، لأن من المسلمين من فهم : [فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ
بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ] ، بعض المسلمين
فَهِمَ من هذه الآية أنه يجوز أن تستأجر امرأة لتقضي حاجتك
منها بأجر معين ، وهذا في الإسلام محرم أشد التحريم ، أما من
يقول : إن هذا الأجر هو أجر هذا الزواج المؤقت فخطأ .
أيها الإخوة ، في سورة المائدة آية وهي قوله تعالى :

الأجر في هذه الآية معناه المهر .
آية أخرى :

( سورة الأحزاب الآية : 50 ) .
ما معنى الأجر في هذه الآية ؟ المهر فقط ، في ثماني آيات الأجر
معناه المهر ، لا يعني الأجر أن تستأجر امرأة لتستمع بها إلى
حين ، مقابل أجر تعطيه إياها ، فهذه الحجة باطلة ، أن تتوهم أن
الله عز وجل حينما قال :

أنه أجر للاستمتاع المؤقت ، لا ، الأجر في كل آيات القرآن يعني
المهر فقط ، هي الأحزاب ، وفي الممتحنة :

( سورة الممتحنة الآية : 10 )
.
[أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ] ،
زواج عادي ، [إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ] ،
يعني مهورهن ، وفي سورة الطلاق :

( سورة الطلاق الآية : 6 ) .
هنا الأجر بمعنى تعويض الإرضاع .
أيها الإخوة ، إذاً كلمة الأجر في القرآن الكريم لا تعني
إلا المهر ، والإمام الأوزاعي يرى أن كل عقد زواج ليس على
التأبيد فهو زنى ، قد تطلق بعد حين بسبب طارئ ، أما حينما تعقد
العقد ينبغي أن يكون العقد على التأبيد ، لأن امرأة في الأرض
لا ترضى أن يكون الزواج مؤقتاً ، المرأة شيء عجيب ، لها مرحلة
تكون شابة ، ومرغوبًا فيها ، في مرحلة تكون أمًّا ، مرحلة
ثالثة جدة ، فالذي يأخذ الفتاة ، يأخذ جمالها ، ثم يرميها فقد
ضيعها ، وضيع مستقبلها ، فلذلك لا ترضى فتاة في الأرض أن يكون
زواجها مؤقتاً ، وألاّ تعلمها هذا هو غدر بها أيضاً ، إذاً هذا
تشريع الله عز وجل : [وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ
إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا
بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ] ، أنفسكم ، أنتم تحصنون
أنفسكم بالزواج ، وهن يحصنن بتحصينكم لهن ، [غَيْرَ
مُسَافِحِينَ] ، السفاح هو الزنى ، هذا الماء يفسح بلا
جدوى ، أما هذا الماء للزواج ينجب ولدًا طاهراً ، مواطنًا
صالحاً ، مؤمناً كبيراً ، فشتان بين النكاح والسفاح ، وحينما
يضع الآباء شروطاً تعجيزية أمام الأزواج الخطاب بناتهم فهم دون
أن يشعروا يدفعون الشباب إلى السفاح ، [فَمَا
اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ] .
هنا نقطة دقيقة ، وهي أن الإنسان إن لم يدخل ، وأراد الطلاق
يجب عليه نصف المهر ، فلماذا أوجب النبي عليه الصلاة والسلام
في بعض الأحاديث ، ولماذا أوجب الله في آيات كثيرة نصف المهر
؟.

( سورة البقرة الآية : 237 ) .
لأن الاستماع ليس عملية كاملة ، حينما تستقبلك ، وحينما تحضر
لك طعاماً ، وحينما تتزين لك فهذا كله استماع ، فالذي لم يصل
إلى الدخول عليه نصف المهر .

فهذا الإله عظيم ، ورحيم ، لو أن اتفاقًا جرى بين الزوجين على
التسامح فإن الله عز وجل يسامح إذا سامحت ، ويعاقب إذا لم
تسامح .

لو أن إنسانًا خطب ، ولم يدخل ، ثم طلب أن ينسحب من هذا
العقد فعليه نصف المهر، قال :

( سورة البقرة الآية : 237 ) .
إلا إذا عفا أهل الفتاة ، وعفت الفتاة ، قال :

( سورة البقرة الآية : 237 ) .
إذا عفوا فينبغي أن تقدم شيئاً جبراً للخاطر ، ثم يقول الله عز
وجل :

لم يستطع ؛ أي إمكاناته المالية لا تسمح له أن يتزوج امرأة حرة
، نحن في سياق هذه الآيات عندنا امرأة حرة ، وامرأة مما ملكت
أيمانكم ، فالحرة لها أهل ، ولها أقارب ، ولها مستوى معين في
الإنفاق ، وفي المهر ، وفي البيت ، وما إلى ذلك ، فيقول الله
عز وجل : [وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً] ،
يعني إمكانياته المالية لا تطول حرة فيتزوجها ، ليس عنده بيت
يسكنها فيه ، لا تطول يده إلى حرة ليتزوجها .

فحينئذ يمكن له أن يتزوج أسيرة من وليها ، هذه الأسيرة مهرها
قليل ، وترضى باليسير ، ذلك لأنها في الأصل أسيرة ، لكن ، [مِنْ
فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ] ، يعني جلست عند سيدها ،
وتعلمت الإيمان في بيته فأصبحت مؤمنة .

حتى لو أنها فتاة من ملك اليمين فينبغي أن تعطيها حقها ، وأن
تعطيها مهرها ، [فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ] ،
أهلها الذين ملكوها بعد الحرب .

كلمة المحصنة لها ثلاث معان ، المعنى الأول : أنها حرة ، وليست
أسيرة ، ملكت حريتها ، والمعنى الثاني : أنها متزوجة ، والمعنى
الثالث : أنها شريفة ، بمعنى أن زوجها الذي أحصنها جعلها تمتنع
عن أي إنسان ، وثمة نعمة أسال الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا
شكرها ، جميع إخواننا المؤمنين تقريباً إذا خرج من بيته يخرج
مطمئنًا ، لا أحد يدخل البيت في غيبته ، مطمئنًا إلى طهارة
زوجته ، وإلى استقامتها ، وإلى حفظ نفسها ، هذه نعمة لا تقدر
بثمن ، المرأة المحصنة هي امرأة حرة ، هي امرأة عفيفة ، هي
امرأة متزوجة ، يعني صفة شخصية متزوجة ، صفة أخلاقية ، وصفة
اجتماعية ، امرأة حرة اجتماعياً ، متزوجة بنظام شخصي ، عفيفة
أخلاقياً ، [فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ
فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ] ، يعني الأسيرة ليس لها أهل
بالمعنى الدقيق ، وهي تجد نفسها هينة ، والهين قد يتساهل في
أمر العفة ، وهذا معروف في العالم كله ، التي لها أهل ، ولها
أقارب ، ولها مكانة لا تتساهل ، وقد سأل أحد الصحابة سيدنا عمر
: أتزني الحرة ؟ فقال : لا ، يعني شيئًا بعيدًا عنها .

إذا تزوجت هذه الفتاة التي هي ملك اليمين .

طبعاً كلكم يعلم أن المرأة إذا زنت ، أو أن الزوج إذا زنى ،
إذا كان أعزب ، يجلد مئة جلدة ، وتجلد المرأة مئة جلدة .

( سورة النور الآية : 2 ) .
أما إذا كانت محصنة ، وزنت ترجم حتى الموت ، الحقيقة أنه ما من
فساد أكبر من أن تكون الزوجة مكتفية بزوجها ، وحاجتها إلى
الرجال محققة ، ولها بيت ولها أولاد ، وهي أم وهي قدوة، ثم
تخون زوجها ، والله مرة شاب قال لي : أكاد أموت ، أمي تخون أبي
، اطلع على خيانة أمه لأبيه ، قال لي : أكاد أموت ، يعني هذه
المرأة التي تخون زوجها ، ولها أولاد ، ولها زوج تركب أكبر
جريمة ، لذلك قال الله عز وجل :

( سورة المائدة الآية : 33 ) .
وهل من فساد أكبر من أن تزني امرأة لها زوج محصنة ، ولها أولاد
، ولعل النبي عليه الصلاة والسلام في حكمه بالرجم على الغامدية
أنه استنبط من هذه الآية :

( سورة المائدة الآية : 33 ) .
هذا الذي يحارب الله ورسوله أو يسعى في الأرض فساداً ، فالمرأة
التي لم تتزوج عقابها الجلد ، والرجل الزاني الذي لم يتزوج
عقابه الجلد ، أما المرأة المحصنة عقابها الرجم حتى الموت ،
ولأن الرجم لا يكون إلا بشهادة أربعة رجال ، شاهدوا العملية
كاملة ، ولا لبس بها ، إذاً هذا جزاء الزانية الفاجرة التي لم
تتورع أن تغلق الباب حينما تمارس هذه الفاحشة ، إذاً هذا عقاب
الزنى مع الفجور ، وكأن هذا الشرط تعجيزي ، فمن سابع
المستحيلات أن يتم هذا اللقاء الفاحش على امرأة من أربعة رجال
معاً ، وكأن هذا الحد حد ردعي ، كدقيق كلامي ، بمعنى أنه
قلّمَا يحتاج إليه من بيده الأمر ، بالمناسبة هذه الغامدية
التي جاءت إلى النبي تعترف بذنبها ، والنبي أعرض عنها فألحت ،
أعرض عنها ، ألحت ، قال : اذهبي حتى تلدي ، جاءت بمولودها ،
قال : أرضعيه حتى تفطميه ، جاءت به بعد أن فطمته ، ثم قال :
حتى يأكل الطعام ، جاءت به يأكل أمام النبي خبزاً ، فرجمها
عليه الصلاة والسلام ، ولما سمع بعض الصحابة يسبها قال : والله
تابت توبة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم ، وبكى النبي عليه
الصلاة والسلام ، هي حالة خاصة ، فالمرأة والرجل غير مكلفين أن
يخبر أحدهما عن نفسه ، هذا ليس حكماً شرعياً ، ما دام الله قد
ستره فينبغي أن يحترم ستر الله له ، فهؤلاء اللواتي تزوجتموهن
إذا أحصن ، [فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ] ، سيدنا
سليمان قال :

( سورة النمل الآية : 21 ) .
فالعذاب غير الذبح ، فهناك من يدعي من الخوارج أنه لا رجم في
الإسلام ، لأن الموت لا يقسم إلى قسمين ، الآية : [فَعَلَيْهِنَّ
نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ] ، ما هو
العذاب الذي يقسم إلى قسمين ؟ الجلد فقط ، هذا واضح ، أما
الموت فلا يقسم ، وليس ثمة نصف موت ، وفي باللغة شيء لطيف ،
وهو أن هناك أفعالا لا تقبل التفاوت ، منه مات ، فلا يقبل
التفاوت ، ولا يقبل اسم التفضيل ، ولا ألفاظ التعجب ، فليس
هناك : ما أموته ، ولا : فلان أموت من فلان ، الموت حالة واحدة
، فهناك أفعال لا تقبل التفاوت ، هذه لا يصاغ منها اسم تفضيل ،
ولا صيغة تعجب ، والموت منه ، فالموت لا يقسم إلى قسمين ، إذاً
لأن الله عز وجل قال : [لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا
أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ] ، العذاب غير القتل ، إذاً العلماء
استنبطوا أن هذه الفتاة إذا زنت فعليها نصف الحد الذي يقسم إلى
قسمين وهو الجلد .

إن أحكام الزواج أيها الإخوة تتوزع بين خمسة أحكام ، قد
يكون الزواج فرضاً على الشاب ، إذا تاقت نفسه إليه ، وخشي
العنت ، وهو يملك مقومات الزواج ، يملك البيت ، والمهر ، وكل
لوازم الزواج ، يملك المقومات ، وتاقت نفسه إليه ، ويخاف على
نفسه من الزنى ، فالزواج في حق هذا الإنسان فرض ، أما الذي
تاقت نفسه للزواج ، ولم يخش العنت ، لم يخش الضجر ، لم يخش
الزنى ، طاقت نفسه ، ولكنه ضامن لنفسه أنه لا ينحرف ، فهذا
الزواج في حقه واجب ، كان فرضاً فصار واجباً ، لأنه لم يخش
العنت ، أما الذي لم تتق نفسه إلى الزواج ، ولا يخشى العنت من
عدم الزواج فالزواج في حقه مباح ، يعني لا فرض ولا واجب ، أما
الذي لا يملك القدرة على الزواج ، وليس أهلاً للزواج ، أنا
أستمع من حين إلى آخر إلى شكاوى ، شاب تزوج فتاة ، لأتفه
الأسباب حلف بالطلاق عليها ، سبب تافه جداً ، يقول ابن عباس :
إن أحدكم يطلق امرأته ، ويأتيني ، ويقول : يا ابن عباس ، يا
ابن عباس ، أيرتكب أحدكم أحموقته ، ويقول : يا ابن عباس ، يا
ابن عباس ، الزواج أهلية ، أنت الآن قائد هذا البيت ، لأسباب
تافهة جداً يرمي عليها يمين الطلاق ، بل أيمان الطلاق ، بل
كلما حلل شيخ يحرمك عشرة ، لسبب تافه جداً ، ولأسباب لا تعقل
يفرض عليها شروط غير معقولة ، وكلام غير معقول ، فهذا الذي ليس
أهلاً أن يتزوج ليس قائداً لهذه الأسرة ، وليس زوجاً كاملاً ،
وليس زوجاً مؤهلاً ، عنده خلل ، هذا الزواج في حقه مكروه كراهة
تحريمة ، أما الذي لمجرد أن يتزوج يشقي معه امرأة فهذا الزواج
في حقه محرم ، والله أستمع أحياناً إلى شكاوى مكتوبة أو على
الهاتف ، شيء لا يصدق ، يأتي بعد منتصف الليل شارباً للخمر ،
يتكلم بأبشع الكلمات ، وينحرف أشد الانحراف ، هذا إنسان محرم
عليه أن يتزوج ، قال : [فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ
بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ
مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ] ،
فإذا كان شابًا لا يخشى العنت فليصبر ..
عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ
اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ((مَنْ
اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ
لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ)) .
[متفق عليه] .
قال :

يعني هذه الزوجة أم أولادك ، هذه الزوجة سوف تربي أولادك ، إن
لم تكن في المستوى اللائق انعكس هذا على أولادك ، إذا كان لك
إمكانية للصبر فابحث عن الزوجة الجيدة .

ثم يقول الله عز وجل :

ثم يقول الله عز وجل : [يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ
لَكُمْ] ، وهذا البيان من رحمته بنا ، [وَيَهْدِيَكُمْ
سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ
وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ] ، يعني حينما يبين الله
لنا منهجاً يوصل إليه ، وحينما نسلك هذا المنهج إليه يرحمنا ،
ويسعدنا في الدنيا والآخرة ، وفي هذه السورة آيات كثيرة تبدأ
بقوله تعالى :


يريد أن يرحمكم .

والحمد لله رب العالمين |