تفسير القرآن الكريم
لفضيلة الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي

الدرس "32"  من تفسير سورة  النساء (004) : الآيتان 64-65  مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني و الثلاثين من دروس سورة النساء ، ومع الآية الرابعة و الستين ، و هي قوله تعالى :

[ سورة النساء : الآية 64]

أي أن أيَّ رسول كائناً من كان معه منهج إلهي ، ومعه منهج تفصيلي ، و ما أرسله الله إلا ليكون هذا المنهج مطبقًا في حياة من دعاهم إلى الله ، فطاعة رسول الله عين طاعة الله، و الاستجابة لرسول الله عين الاستجابة لله ، و إرضاء رسول الله عين إرضاء الله ، والله ورسوله أحق أن يرضوه :

[ سورة القصص : الآية 50]

أي أن استجابتهم لك هي استجابة لله ، والبديل اتباع الهوى :

[ سورة النساء : الآية 80]

إذاً :

[ سورة النساء : الآية 64]

هذا الأمر الذي يلقيه عليك النبي ليس من عنده ، ولا من اجتهاده ، ولا من ثقافته ، ولا من بيئته ، إنه من الوحي ، أنت حينما تطيع رسول الله معنى ذلك أنك تطيع الله ، لا تأخذ كلام النبي على أنه كلامه ، ينبغي أن تأخذه على أنه من عند الله ، و لأن الله عز وجل يقول :

[ سورة النجم ]

وأحد أصحاب النبي رضوان الله عليه وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص قال: (ثلاثة أنا فيهن رجل ، و فيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس - من هذه الثلاثة أنه - ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه و سلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى) .

إذاً علاقتك برسول الله لا أن تعجب به فقط ، لا أن تثني على عبقريته، لا أن تثني على حكمته ، لا أن تجعله فوق المئة الأوائل في الأرض فقط ، ينبغي أن تطيعه ، أي مقياس نجاح تعاملك مع رسول الله لا في الإعجاب به فحسب ، ولكن في طاعته : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ(64)] .

و هذه من تفيد استغراق أفراد النوع ، أي ما من رسول على الإطلاق إلا ينبغي أن يطاع ، لأن أمره ليس من عنده ،بل هو من عند الله : [وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ(64)] .

فرق كبير بين أن تتوهم أن هذا الأمر من عند النبي ، وبين أن تعتقد اعتقاداً يقينياً أن هذا الأمر الذي جاء به النبي هو من عند الله ، إنك إن أطعته أطعت الله ، إن استجبت له استجبت لله ، إن أرضيته أرضيت الله ، إن أحببته أحببت الله ، محبة النبي عليه الصلاة والسلام عين محبة الله ، لذلك قال بعض العلماء : هناك حب في الله ، وهو عين التوحيد ، أنت في الأصل تحب الله ، ولأنك تحب الله تحب رسول الله ، ولأنك تحب رسول الله تحب أصحاب رسول الله ، و لأنك تحب أصحاب رسول الله تحب كل من اتبع رسول الله ، ولأنك تحب هؤلاء جميعاً تحب المساجد ، و تحب تلاوة القرآن ، و تحب العمل الصالح ، و تحب العبادات ، كل أنواع هذه المحبة هي في الحقيقة محبة واحدة ، هذا هو الحب في الله ، أما الحب مع الله هو عين الشرك ، أن تحب جهة لا تحب الله ، أو أن تحب جهة لا يرضى الله عنها ، أو أن تحب جهة هي في الأصل ليست مطيعة لله عز وجل لمصلحة تبتغيها ، هذا حب مع الله ، وهو عين الشرك :

[ سورة النساء : الآية 64]

أيها الإخوة ، الإنسان قد يظلم الآخرين ، ولكن أشد أنواع الظلم ، و لكن أقسى أنواع الظلم ، و لكن أخطر أنواع الظلم أن يظلم نفسه ، قد يخسر بيته بخطأ ارتكبه ، و قد يخسر شركة ، و قد يخسر رأسماله ، أما أكبر خسارة على الإطلاق أن يخسر نفسه :

[ سورة الزمر : الآية 15]

قد تخسر فتعوض ، أما حينما تخسر نفسك ، يقاس عليها أن الإنسان حينما لا يُعرّف نفسه بالله ، ولا يستقيم على أمر الله ، ولا يعمل العمل الصالح الذي يرتقي به عند الله ، ولا يسعى إلى الجنة ، ولا يتقي النار فقد وقع في ظلم نفسه الشديد ، أرأيت إلى إنسان يعرض عن الله ، وعن طاعته ، وعن طلب العلم ، وعن مرضاته ، يبحث عن شهوة يقتنصها ، أو لذة يمارسها ، أو مصلحة يأخذها ، إنه يظلم نفسه ألم يقل عليه الصلاة و السلام :((ألا يا رب شهوة ساعة أورثت حزناً طويلاً)) ؟.

ألم يقل عليه الصلاة و السلام : ((رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة ، ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة ، ألا يا رب مكرم لنفسه و هو لها مهين ، ألا يا رب مهين لنفسه و هو لها مكرم)) ؟.

الغنى و الفقر بعد العرض على الله : [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ(64)] .

ماذا ينبغي أن يفعل من ظلم نفسه ؟ أولاً :

[ سورة النساء : الآية 64]

أيها الإخوة ، و الله لا أبالغ إن من أخطر الآيات في كتاب الله التي تتحدث عن مقام رسول الله هذه الآية ، أي أنت حينما تخطئ ، حينما تظلم نفسك ، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تتجه إلى رسول الله الذي اعتمده الله مبلغاً عنه ، والذي أمرك أن تأتمر بأمره ، وأمرك أن تنتهي عما عنه نهى ، ينبغي أن تأتي أولاً إلى رسول الله ، لأنك إن أهملت مقامه أهملت المرسل ، إن لم تعبأ بمنهجه لم تعبأ بمن أرسله ، إن لم تأتمر بما أمرك لا تأتمر بالذي أمره ، هذا الذي يقول لا علاقة لي بالأشخاص ، أنا علاقتي مع الله مباشرة ، أنت بهذا لا تعبأ بالمرسل ، حينما تأتيك رسالة ، وتمزقها قبل أن تقرأها أليس هذا كفر بالمرسل ؟.

أيها الإخوة الكرام ، [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] ، يأتونك أولاً ليستطلعوا منك ماذا ينبغي أن يفعلوا ؟ ما الأمر الذي يرضي الله ؟ ما الأمر الذي يغضب الله؟ كيف يتوبون ؟ كيف يصلحون أنفسهم ؟ [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

أما حينما يتجاوزوك فهم يتجاوزون من أرسلك ، حينما يتجاوزوك لا يعبؤون بالذي أرسلك ، هم حينما لا يهتموا بك هم لا يهتموا بقرار الله عز وجل الذي أرسلك ، لو وسعنا الدائرة ، لو أن الله سبحانه و تعالى أرسل رسولاً أتباع الرسول السابق لم يعترفوا به ، ولم يذعنوا له ، و لم يسلموا له ، كيف ؟ أي أنت كمدير مؤسسة تابعة لوزارة ، هناك وزارة جديدة تشكلت ، أنت كمدير مؤسسة ترفض أن تأخذ أمرك من الوزير الحالي ، تقول : لا ، أنا أتلقى أمري من الوزير السابق ، أليس هذا تحدياً للملك الذي عين هذه الوزارة ؟ شيء واضح جداً ، فهذا الذي يرفض أن يتبع آخر نبي أرسله الله عز وجل إنه يتحدى من أرسله ، إنه لا يستسلم لمن أرسله ، إنه لا يذعن لمن أرسله ، الآن حينما تلغي مقام الرسالة و مقام النبوة ، ولا تعبأ بمنهج النبي ، وتقول مدعياً : أنا علاقتي مع الله مباشرة ، فالله لا يقبلك ، ولا يتوب عليك ، لأن الله عز وجل يقول :[وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

بعد أن يأتوك استغفروا الله وفق توجيهاتك ، استغفروا الله وفق منهجك ، يقول لك أحدهم : أنا إيماني بقلبي ، لو لم أصلِ أنا خير ممن يصلي ، مرتاح ، لا يصلي أبداً ، أنا لا أؤذي أحداً ، أنت بهذا تجاوزت كلام سيد الخلق ، ((العهد بيننا و بينهم ترك الصلاة فمن ترك الصلاة فقد كفر)) ، لم تعبأ بهذا الكلام ، يقول : أنا قلبي نظيف ، أنا لا أحقد على أحد ، ليس في قلبي غل لأحد ، إذاً أنا أفضل ممن يعبدون الله ، هذا نموذج متكرر ، إلغاء الرسالة كلياً ، لا يعبأ بكلام رسول الله ، هناك دعوة صريحة الآن إلى إلغاء السنة كلها ، مع أن الله عز وجل يقول:

[ سورة الحشر : الآية 7]

إذاً لا يقبلنا الله عز وجل ، ولا يتوب علينا إلا إذا أتينا رسوله ، لأنه معصوم من أن يخطئ في أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، أُمرنا أن نأخذ عنه ، وأن ننتهي عما نهى عنه ، أمرنا أن نجعله أسوة لنا ، فهذا الذي يلغي مقام رسول الله هو هكذا فعل أفعاله سنة ، أقواله ، وأفعاله ، وإقراره سنة ، فالنبي ما صافح النساء تقول : هذا الحكم لا يصلح لهذه الأيام ، إذاً أنت تلغي مقام الرسالة ، أي اعتراض على حديث صحيح ثابت قطعي الدلالة والثبوت هو اعتراض على رسول الله ، و هو اعتراض على من أرسله ، دققوا : إنه اعتراض على من أرسله : [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

بدؤوا بك ماذا توجهنا ، كيف نتوب ؟ أما حينما لا نأتمر بأمر رسول الله ، ولا ننتهي عما عنه نهى ، و ندعي أن علاقتنا بالله مباشرة ، نقيم يانصيباً خيرياً ، و نقيم حفلة غنائية صغيرة يرصد ريعها للأيتام ، لماذا السنة ؟ أقول : لكم هذا الشيء واقع ، هناك من يقول : أنا مؤمن بالله ، و لا أرضي أحداً ، أما هذا التوجيه الضخم من رسول الله فليس له عنده قيمة إطلاقاً : [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

جاءوك يا محمد ، جاؤوك أولاً ، إن جاؤوك هم يحترمون من أرسلك ، إن جاؤوك يعظمون من أرسلك ، إن جاؤوك يعظمون من كلفك ، يعظمون من أنطقك : [وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

لكنك لست إلا نبيًّا ، لا تزيد عن أنك بشر ، و لكنه يوحى إليك :

[ سورة فصلت : الآية 6]

إذاً أنت لا تستغفر ، الذي يستغفر هو الله :

[ سورة النساء : الآية 64]

أرأيت إلى التوحيد ؟ أنا أعتقد أنه ما من إنسانين على وجه الأرض أحبا بعضهما بعضاً كحب الصديق لرسول الله ، و مع ذلك يوم توفاه الله قال الصديق رضي الله عنه : (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) .

إخواننا الكرام ، مقام الرسالة مقام خطير جداً ، يوجد خط أدنى لو نزلت عنه لكفرت بالرسالة ، و لو تجاوزت الخط الأعلى لألهت رسول الله ، هناك من يقول : إن الكون كله مخلوق من نور محمد ، هذه مبالغة ، هذا كلام غير صحيح ، إن الخلق خلقوا ليكونوا على شاكلة محمد ، هو قدوة لنا ، لذلك سمح الله جل جلاله لرسوله بهامش اجتهادي ضيق فإن أصاب النبي أقره على إصابته ، وإن لم يصب صحح له :

[ سورة التوبة : الآية 43]

[ سورة عبس ]

ليكون هذا الهامش الاجتهادي دليلاً على أن مقام الألوهية شيء ، وأن مقام النبوة شيء آخر ، لئلا يعبد من دون الله ، قال أحد الأصحاب وهو يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام قال : ما شاء الله و شئت ، فقال له : ((بئس الخطيب أنت ، جعلتني لله نداً ، ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن)) .

إذاً حينما يأتونك لا ليعبدوك من دون الله ، لا ، فاستغفروا الله ، لكن جاؤوك ليأخذوا المنهج من عندك ، جاؤوك ليتعرفوا على أمر الله من خلالك ، جاؤوك لترسم لهم الطريق إلى الله من خلال توجيهك ، جاؤوك أي احترموا من أرسلك ، وعظموا من أرسلك ، واعتقدوا أنك على حق بأقوالك ، وأفعالك ، وإقرارك :[وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

لو توسعت في هذا الموضوع قليلاً ، النموذج المعاصر الآن يلتقي إنسان مثقف مع مئة شيخ ، أنا أقول : ليس على وجه الأرض إنسان مؤهل أن تأخذ منه من دون دليل ، لأن هذا دين ، قضية مصيرية ، إما إلى جنة يدوم نعيمها ، أو إلى نار لا ينفد عذابها ، لكن حينما تأتي عالماً جليلاً ، ويأتيك بالدليل ، ولا يعجبك الدليل ، حينما يأتيك بالأمر الإلهي ، والدليل على أنه واجب التطبيق ، ولا تذعن له ، حينما يأتيك بالنهي الصريح من كتاب الله ، ومن سنة رسول الله ، ولا تعبأ به أنت من ؟ أنت ممن لم يأت رسول الله ، القرآن كتاب هداية ليوم القيامة لا يعقل أن تغطي هذه الآية الصحابة فقط ، هذه الآية تغطي المؤمنين إلى يوم القيامة :[وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

حينما يأتونك يا محمد هم يعظمون الذي أرسلك ، يقرون لك بالعصمة، ينفذون أمر الله عز وجل بطاعتك ، لأن طاعتك طاعة الله عز وجل :

[ سورة النساء ]

وفق توجيهك ، أي قد يأتي إنسان إلى عالم ، والعلماء كما قال عليه الصلاة و السلام : ((ورثة الأنبياء)) ، لكن لا يمكن أن تقبل أقوالهم من دون دليل ، لا يوجد في حياة المسلمين إلا إنسان واحد كلامه هو الدليل ، إنه رسول الله فقط ، ما سوى النبي كلامه يحتاج إلى دليل من كلام النبي ، فحينما تأتي عالماً تسأله عن موضوع الربا يقول لك : يا أخي هذا العمل محرم ، لأن الله عز وجل يقول :

[ سورة البقرة : الآية 279]

و لا يعجبه هذا الكلام ، أنت لا تعترض على هذا العالم ، لا ، العالم ما قال لك من عنده شيْئًا، العالم جاءك بالدليل من كتاب الله ، أنت بهذا لا تعبأ بكلام الله ، و لا تعبأ بحديث رسول الله ، لولا أن هذه ظاهرة متفشية ، ومتكررة ، ومستمرة ما ذكرها الله في القرآن الكريم :[وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

أي جاءوا إلى الرسول ، إلى من اختاره الله رسولاً ، إلى من سمح الله له أن ينطق بالحق ، إلى من عصمه الله ، إلى من أمرك الله أن تلتزم أمره و نهيه ، هذا الشيء الطبيعي ، أما حينما نتجاوز كلام النبي فنحن إذاً لا نتبع الله عز وجل ، و أقوى دليل :

[ سورة آل عمران : الآية 31]

[ سورة النساء : الآية 64]

استغفار الرسول دلهم على طريق الاستغفار لله ، افعل كذا ، إذا أسأت فأحسن ، استغفر ، تب ، صم نفلاً ، ادفع صدقة ، الزم الدرس فرضاً ، أي دلك النبي على طريق الاستغفار لله عز وجل ، بعد أن أتيت النبي ، واستغفرت الله بتوجيه النبي الآن تجد الله تواباً رحيماً ، لذلك فإن احترام الرسالة احترام للمرسل ، واحترام الأمر احترام للآمر ، وتعظيم النبي تعظيم لمن أرسله ، واتباع النبي اتباع لمن أرسله ، محبة النبي محبة لمن أرسله ، الأدب مع النبي أدب مع من أرسله ، أي بالنظام المدني في العالم كله الوالي قديماً أو المحافظ في المصطلح الجديد يمثل رئيس الجمهورية في محافظته ، فمن تطاول عليه فهو في الحقيقة تطاول على رأس المجتمع فيعاقب ، هذا في النظام المدني فكيف بقانون الله عز وجل ؟ هذه الآية تعني أنه ينبغي أن تأتي البيوت من أبوابها ، والنبي عليه الصلاة و السلام باب الله ، لا تأتي البيوت من السطوح ، تعال من الباب ، والنبي باب الله عز وجل ، سلوا لي الوسيلة هكذا ، قال عليه الصلاة و السلام ، فإنها مقام لا ينبغي إلا لواحد من خلقه ، وأرجو أن أكون، أنا كما قال عليه الصلاة و السلام ، لذلك نحن عقب الأذان نقول : ((اللهم رب هذه الدعوة التامة و الصلاة القائمة آت سيدنا محمداً الفضيلة و الوسيلة و ابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد)) ، لذلك هذا الذي لا يعبأ بالسنة لا يعبأ بالدين ، هذا الذي لا يعبأ بحديث رسول الله لا يعبأ بالقرآن ، هذا الذي لا يتأدب مع رسول الله لا يتأدب مع الله، هذه الآية تبين مقام النبي عليه الصلاة و السلام .

قال الله عز وجل :

[ سورة الحجر : الآية 72]

أقسم بعمر النبي ، و تأسيساً على هذه الحقيقة :

[ سورة النساء : الآية 65]

حينما تختلف مع أخ ، مع صحابي ، وأنت صحابي ، وتأتيان إلى النبي عليه الصلاة و السلام ، و تحتكمان إليه ، ولم يعجبك حكم النبي فأنت لست مؤمناً :

[فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)] .

أيها الإخوة ، الآن موضوع دقيق ، في حياة النبي عليه الصلاة و السلام :[وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ(64)] .

جاؤوك ، وتعلموا منك كيف يستغفرون الله ، وبينت لهم الطريق إلى الله ، و طريق التوبة ، وطريق الاتصال ، وطريق العمل الصالح ، ولكن هذه الآية كيف نفهمها بعد وفاة رسول الله ؟ العلماء قالوا : أنت حينما تحتكم إلى سنة رسول الله التفصيلية هذا يقوم مقام أن تأتيه في حياته ، يؤكد هذا المعنى الدقيق أن الله جل جلاله يقول :

[ سورة الحشر : الآية 7]

من خلال سنته ، يؤكد هذا الكلام :

[ سورة النساء : الآية 59]

توفي الرسول ، التحق بالرفيق الأعلى ، تطيعوا أمره ونهيه اللذين حفظا بعد وفاته ، إذاً هذه الآية تعني بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه و سلم أن تحتكم إلى سنته التفصيلية ، أن تحتكم إلى الشرع الذي جاء به، أن تحتكم إلى الأحاديث الصحيحة التي نسبت إليه ، أن تحتكم إلى توجيهاته ، إلى إرشاداته ، إلى أحكامه :

[ سورة الأحزاب : الآية 36]

إذاً في حياته تأتي إليه ، وبعد مماته تأتي إلى سنته ، هذا معنى .

[ سورة الحجرات : الآية 1]

لا تقترح اقتراحاً خلاف ما في القرآن ، و خلاف ما في السنة ، لو ألغينا قطع اليد لما كنا عند الغرب همجيين ، لا ، لا تقترح إلغاء حكمٍ حَكَم اللهُ به ، ولا تقترح إلغاء حكمٍ حَكَم به رسول الله .

أيها الإخوة ، كل أمر موجه إلى المؤمنين بطاعة رسول الله في حياته هو موجه إلى عامة المؤمنين باتباع سنته بعد مماته ، إذاً حياتي خير لكم ، ومماتي خير لكم.

توفي عليه الصلاة و السلام ، وترك سنته بين أيدينا ، الآن لا يوجد بيت في العالم الإسلامي إلا و يوجد فيه كتاب سنة ، رياض الصالحين ، أذكار النووي ، صحيح البخاري ، صحيح مسلم ، كتب الحديث الستة ، سنته بين أيدي الناس ، و الآن مع ثورة المعلومات والاتصالات تنبأ النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر أمر الدين سيبلغ ما بلغ الليل والنهار ، و أنا العبد الفقير ذهبت إلى أقصى مكان في الأرض ، إلى سيدني في أستراليا ، فوجدت أن إذاعتين في سيدني تذيعان أقوال النبي وسنته وتفسير القرآن ، سيبلغ هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، فسنته بين أيدي الناس جميعاً في القارات الخمس ، الكتب ، والأشرطة ، والمحاضرات ، و الندوات .

إذاً أن تأتي النبي بعد مماته أن تأتي إلى سنته ، أن تأتي إلى سنته فتتبعها :[فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ(65)] .

نفي الإيمان عن إنسان لا يذعن لحكم النبي ، أضرب لكم هذا المثل : قال النبي الكريم : ((لا تقتلوا عمي العباس)) ، قبيل بدر ، شخص فكر وقال : أينهانا عن قتل عمه ، و أحدنا يقتل أباه ، وأخاه في الحرب ، أي أساء الظن برسول الله ، لما كشف له أن عمه العباس قد أسلم في مكة ، و بقي عين النبي في مكة ، لو أنه لم يخرج لكشف أمره ، فانتهت مهمته ، لو أن النبي ذكر أنه قد أسلم لكشفه ، و انتهت مهمته ، لو سكت النبي لقتله أصحابه ، لابد من أن يقول لا تقتلوا عمي العباس ، هذا الذي ظن ظنَّ السوء برسول الله يقول عن نفسه : ظللت عشر سنين أتصدق رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله ، قال له : ما عدلت يا محمد فغضب النبي ، وكان إذا غضب عليه الصلاة و السلام ينبض عرق له فقال : ويحك من يعدل إن لم أعدل :[فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ(65)] .

نحن لم يتح لنا أن نلتقي برسول الله ، تطبيق هذه الآية اليوم كيف ؟ أتيت عالماً جليلاً أنت ، وخصمك فحكم لكم وفق كتاب الله وسنة رسول الله عملك غير شرعي ، وهذا هو الدليل الصحيح قطعي الثبوت والدلالة فلم تعبأ بهذا الحكم ، التطبيق المعاصر أوسع تطبيق ، أن كل امرأة تختلف مع زوجها في المهجر تحتكم إلى قاض غربي ، لأنه يحكم لها بنصف ثروة زوجها ، ولم تعبأ بحديث رسول الله أنه إذا طلقت يحكم لها بالمهر فقط ، أي لولا أن هذه مشكلة كبيرة جداً ما احتلت هذا الحيز في القرآن الكريم ، هناك من لا يعبأ بالسنة ، هناك كتب ألفت لإلغاء السنة ، هناك محاضرات ألقيت لإلغاء السنة ، هناك سلوك يومي مخالف للسنة ، الحمو الموت ، لا تبتعدوا ، كم من أسرة في بلاد المسلمين يجتمع الأصهار وزوجاتهم على مائدة واحدة ؟ كم من أسرة قل لي بالعكس : كم من أسرة لا تفعل هذا ؟ أسهل ، معنى ذلك أن كلام النبي لا يعبأ المسلمون به اليوم ، يكفي أن تجمع كل أصهارك وبناتك على مائدة واحدة ، لم تعبأ بقول النبي : ((الحمو الموت)) ،  هذه واحدة ، يكفي أن تنمي مالك ببنك ربوي ، أما أن يعدل أكل درهم من الربا أن يزني الإنسان بأمه ، فكلام النبي هذا لا يعبأ به أحد ، معظم المسلمين يضعون أموالهم في مصارف ربوية ، هذا واقع ، والنبي نهى عن الغناء ، فكم بيتًا مسلم لا يوجد به غناء ؟ مغنية تغني بمعاني جنسية ، كم بيتًا مسلم لا يوجد به غناء ؟ أين سنة النبي ؟ إذا رفض شاب مؤمن أن يدخل يوم عرسه إلى صالة الاحتفال ، وفيها مئة امرأة كاسية عارية ، وجلس مع عروسه لا يعد هذا لبقاً ، وليس من بني المجتمع ، وكلهم مسلمون ، هذه آية متعلقة بالواقع ، لا أحد يعبأ بسنة النبي الآن ، لا أحد يأخذها مأخذاً جدياً ، أما من السهل أن تقيم احتفالًا بمولد النبي ، و أن تثني على النبي ، وأن تأتي بفرقة نشيد رائعة جداً ، وأن تتمايل طرباً حينما ينشدون ، و أنت لست مطبقاً لسنته شيئاً أليس كذلك؟ [فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(65)] .

أيها الإخوة الكرام ، لعلها من أخطر الآيات المتعلقة بمقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و في درس قادم إن شاء الله نتابع هذه الآيات.

و الحمد لله رب العالمين