|
تفسير القرآن الكريم
لفضيلة
الدكتور العلامة محمد راتب النابلسي
الدرس
"50" من تفسير سورة النساء (004) : الآيات 111-113 لفضيلة
الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد
الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت
العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و
زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه ، و أرنا
الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول
فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام :
مع الدرس الخمسين من دروس سورة النساء و مع الآية الحادية عشرة
بعد المائة وهي قوله تعالى :

[
سورة النساء
]
الحقيقة أن الإنسان مخير ولأنه مخير كل خصائصه وكل حظوظه
حيادية يمكنه أن يوظفها في الخير كما يمكن أن يوظفها بالشر
ولأن الإنسان مخير فأخطاؤه وآثامه من كسبه ولا يستطيع أن
يلقيها على جهة أخرى ، لا يستطيع أن يتنصل منها ولا أن يعزوها
إلى غيره فإن فعل هذا فهو أجهل الجهلاء ، ومن يكسب خطيئةً
والخطيئة تكتسب كسباً من كسبك أي من اختيارك من تصورك ومن
اختيارك ومن فعلك بمعنى أنك أردت أن تفعل هذا فأمدك الله بقوة
ليحقق اختيارك .
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى
نَفْسِهِ(111)
من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها في الأعمال الصالحة تأتي
لام الاختصاص وفي الأعمال السيئة تأتي على لها ما كسبها وعليها
ما اكتسبت ، قال تعالى :

[
سورة التوبة : الآية 51]
لنا تفيد الاختصاص هذا مما خصصنا به أو الملكية المعنيان
متقاربان بينما على تفيد المسؤولية .
وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ
وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(111)

[
سورة النساء : الآية 112]
كما فعل الأبيرق كسب خطيئةً أو إثماً سرق درعاً ثم رمى به
بريئاً فقد احتمل بهتاناً وأثماً مبيناً ، والبهتان أشد أنواع
الكذب كذب اختلاق لا كذب مبالغة قد تكون الكذبة لها أصل لكن
الكاذب يبالغ يضخمها وقد تكون الكذبة لا أصل لها إطلاقاً
فيختلقها صاحبها اختلاقاً اختلاق الكذب هو البهتان .
أيها الإخوة :
أحد أصحاب رسول الله في بعض الغزوات الصعبة تخلف عن رسول الله
فلما عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان من عادته
أن يستمع إلى أعذار المتخلفين فجاءه ثمانون منافقاً واعتذروا
أعذاراً متباينة ومحكمة فلما جاء سيدنا كعب قال والله في نفسه
إني أوتيت جدلاً يعني أوتيت قدرةً على الإقناع وهذه قدرة
بالإنسان قد يملكها قدرة الإقناع ولكنني خشيت أن أخرج من غضبه
فيغضب الله علي لأن الله يرى الحقيقة قال فأجمعت صدقاً أي أخذ
قراراً أن يكون صادقاً معه فلما جاء دوره في الاعتذار قال
والله ما كنت أقوى ولا أشد حينما تخلفت عنك ولكنني تخلفت ولا
عذر لي ، فقال عليه الصلاة والسلام بإشارة ذكية أما هذا فقد
صدق ، أي الثمانون الذين حدثوه كانوا كاذبين ولأنه صدق جاء
الوحي من السماء بأن يقاطعوا وقد قوطعوا خمسين ليلة ثم تاب
الله عليهم وغفر لهم وعادوا إلى ما كانوا عليه .
رويت هذه القصة لأن الإنسان عندما يكتسب إثماً أو خطيئة ثم
يرمي به بريئاً الله عز وجل هو الحق وهو متكفل أن يظهر الحق
فبعد حين تنكشف الأمور ويظهر البريء بريئاً والمذنب مذنباً .

[
سورة النساء : الآية 112]
جاء بأشد أنواع الكذب وهو كذب الاختلاق وإثماً مبيناً .
أيها الإخوة :
هذه القصة قصة الأبيرق التي جاءت هذه الآيات تتحدث عنها وتعطي
للمؤمنين درساً بليغاً أن الإسلام عدل وينبغي أن تعدل ولو مع
خصمك قال تعالى :

[
سورة المائدة : الآية 8]
ينبغي أن تكون عادلاً مع من تكره ومع من تبغض ومع الذين
يناوئونك فكيف بالمؤمنين يقول الله عز وجل :

[
سورة
النساء : الآية 83]
وهذه آية عامة .

[
سورة النساء : الآية 83]

[
سورة النور : الآية 21]
يعني كل الذي تتمتع به من فهم لهذا الدين من استقامة على أمر
الله من عمل صالح من قيم تتمثلها من مبادئ تعتنقها من سلوك
تفعله كل هذا الخير التي أنت فيه هو من فضل الله عليك ، وقد
تسأل لما لم ينله غيري ؟ أنت أردته لابد من أنك أردته فمنحه
الله إياك وفرق كبير بين أن تطلب شيئاً وبين أن تناله هذه
الدنيا أمامك اطلب ما شئت هل تنال كل الذي تطلبه ؟ لا لكن الله
سبحانه وتعالى برحمته وفضله إن طلبت الحق مكنك منه وأعطاك إياه
وإذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك .

[
سورة النساء : الآية 113]
أيها الإخوة :
في هذه الآية ملمح دقيق هم هذه الطائفة لهمت طائفة منهم أن
يضلوك قال العلماء هناك هم إنفاذ وهناك هم تزيين أحياناً يكون
همي أن أحمل فلاناً على عمل لا يرضي الله هذا هم تنفيذ الله عز
وجل حفظ نبيه من هم التنفيذ لم يفعل شيئاً خلاف منهج الله ولم
ينطق بكلمة لا ترضي الله ولم يحكم حكماً ليس فيه العدل فالنبي
عليه الصلاة والسلام معصوم والنبي عليه الصلاة والسلام معصوم
بمفرده بينما أمته معصومة بمجموعها فهذه الطائفة التي همت أن
تضله كان همها والفضل لله عز وجل والكمال لله عز وجل كان همها
هم تزيين لا هم إنفاذ يعني لم يستطيعوا أن يحملوه على أن ينطق
بكلمة فيها حكم ظالم ولكنهم استطاعوا أن يزينوا له أن الأبيرق
بريء فرق كبير بين هم التزيين وبين هم الإنفاذ ، يعني الصاحب
السيئ قد يحمل صاحبه على فعل المنكر فهمه أن يسقطه في الهاوية
والصاحب الآخر منع من أن يحمل صاحبه فعل المنكر ولكنه زين له
المنكر وانتهى الأمر عند هذا ولم يستجب الصاحب لتزيين صاحبه .
إذاً
من فضل الله العميم على رسول الله الكريم أن هم هذه الطائفة
كان هم تزيين لا هم تنفيذ ولولا أن الله حفظ رسوله ولولا أن
الله سبحانه وتعالى وفق رسوله إلى الحق لهمت طائفة منك أن
يضلوك ، كيف يضلوك ؟ هذا موضوع دقيق جداً لو أن النبي عليه
الصلاة والسلام الذي يوحى إليه الذي يأتيه الوحي من عند الله
عز وجل لو أنه حكم على بريء بالجرم وحكم على مذنب بالبراءة
ماذا يقول المذنب الذي حكم عليه بالبراءة ؟ كيف انطلى عليه ذلك
؟ يقيس هذا الخطأ على وحي السماء فيسقط عنده وحي السماء وهذا
الذي حكم عليه النبي بالذنب وهو بريء ماذا يقول أين الوحي كيف
حكم علي ظلماً ؟ الآن أنتقل معكم نقلة خطيرة جداً إنسان دعا
إلى الله لو تكلم كلاماً في موطن أو مواطن ليس قانعاً به لو
تكلم في شأن آخر ليس شأن الدين كلاماً لا يرضي الله لو مدح من
لا ينبغي أن يمدح لو ذم من ينبغي أن لا يذم فرضاً هو لمصلحة
راجحة عنده سقط الحق الذي يحمله فبذلك الله عز وجل يقول:

[
سورة الأحزاب : الآية 39]
هؤلاء الذين يبلغون رسالات الله هم خلفاء النبي في نقل الحق
للناس لو أنهم خافوا من غير الله فنطقوا بالباطل وسكتوا عن
الحق ماذا بقي من دعوتهم ؟ سقطت دعوتهم ، أنت ائتمنت فلاناً
على خبر السماء لو أنه كذب عليك في خبر الأرض تشك بمصداقية خبر
السماء ، نقطة دقيقة جداً أراد هؤلاء أن يزينوا للنبي أن
الأبيرق ليس بسارق لو أنهم مكنوا أن يهموا برسول الله أن ينطق
بحكم ظالم على إنسان بريء وأن يبرأ ظالماً فهذا الظالم الذي
حكم عليه بالبراءة ومن حوله ماذا يظنون بهذا الإنسان الذي يوحى
إليه ؟ يشكون في الوحي الذي يأتيه من السماء وهذا البريء الذي
حكم عليه ظلماً بأنه مذنب هو ومن حوله كيف يقبلون من النبي أنه
مؤتمن على وحي السماء وقد حكم على بريء ظلماً شديداً.
لذلك
أحد أنواع المطبات الخطيرة التي يقع فيها من ينطقون بالحق بعد
رسول الله هو هذا يعني أنت كنت بعقد قران وأثنيت على الشاب
الخاطب ثناءً لا حدود له وأنت لا تعرفه فأقرباء هذا الشاب يرون
هذا المقام مقام العلم يثني ثناءً كاذباً على إنسان سيئ جداً
تهتز عندهم صورة هذا الإنسان بل إن الذي يقوله وهو حق سقط
عندهم إذا مؤامرة خبيثة جداً أن هذا الذي يأتيه وحي السماء حكم
على بريء بالذنب وحكم على مذنب بالبراءة إذاً أين وحي السماء ؟
أين النور الذي ألقاه الله بقلبه ؟ أين أثر الوحي بسلوكه ؟
إذاً هذا معنى قوله تعالى :
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ(113)
لذلك دائماً وأبداً كن متحفظاً هل بعد عمر من خليفة راشد بعد
أبي بكر رضي الله عنهما ومع ذلك عندما ولى أبو بكر سيدنا عمر
جاء من يشتكي لقد وليت علينا إنساناً شديداً فقال أتخوفونني
بالله عز وجل والله لو أن الله سألني لما وليت عليهم عمر أقول
يا رب وليت عليهم أرحمهم قال الصديق هذا علمي به فإن بدل وغير
فلا علم لي بالغيب .
هذا درس بليغ لكل من يدعو إلى الله لكل من يحمل الحق ، تحمل
الحق لو تكلمت في شأن عام كلاماً غير صحيح ، لو تكلمت كلاماً
لا ينبغي أن تقوله ، لو تكلمت كلاماً لا يرضي الله عز وجل ، لو
مدحت فاسقاً وينبغي أن لا تمدحه لو ذممت مؤمناً وينبغي أن لا
تذمه هذا الجانب من كلامك غير الصحيح يسقط ما عندك من صحيح
لذلك المؤمن لا ينطق إلا بالحق وإذا نطق يتحفظ .
سيدنا الصديق قال هذا علمي به فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب
.
إذاً
هؤلاء أرادوا أن يزينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يوهموا رسول الله تزييناً لا فعلاً أن الأبيرق بريء فلو أنه
حكم على الأبيرق بالبراءة وهو السارق وحكم على اليهودي بالذنب
بالسرقة وهو الذي لم يسرق ما قيمة الوحي عند هذين الرجلين ومن
حولهما من أقاربهما ومن يلوذ بهما ثم قد يفشو الخبر ؟ ما من
مثل يوضح هذه الحقيقة كما لو أن إنساناً أكرمه الله بالدعوة
إليه وفي مكان آخر في مناسبة معينة تكلم كلاماً لا يرضي الله
أو تكلم كلاماً غير صحيح أو مدح من لا ينبغي أن يمدح أو ذم من
ينبغي أن يمدح فهذا الخطأ الكبير في أحكامه في شأن آخر غير
الدين يسقط ما عنده من حق ، يعني أنت حينما تأتي بخبير بحرفة
معينة ويرتكب كذبةً كبيرة أمامك في شأن خاص ماذا تفعل أنت ؟ لا
تثق بخبرته ولا تثق بولائه ولا باختصاصه .
هذا الذي أوهم فرساً أن في ثوبه شعيراً كي يأتي إليه فلما
اقترب منه سافر من المدينة إلى البصرة ليأخذ عنه الحديث ورآه
يكذب على الفرس عاد إلى مكان مجيئه ولم يسأله عن شيء لأن الحق
لا يتجزأ والخلق لا يتجزأ والقيم لا تتجزأ ، فالذي يكذب على
فرسه ليس أهلاً أن ينقل عن رسول الله حديثاً هذا هو الأصل
فالآية الكريمة :
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ
طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ(113)
يزينوا لك براءة الأبيرق وذنب اليهودي لو تكلمت بخلاف الحق
انسحب هذا الخطأ على دعوتك وانسحب هذا الخطأ على الحق الذي
تحمله فاهتزت صورة النبي عليه الصلاة والسلام.
أنت في حياتك اليومية حينما تثق بإنسان ثم تراه يحكم حكماً
جائراً في موضوع دنيوي ألا تهتز عندك صورته ؟ ألا ينسحب هذا
الاهتزاز على العلم الذي يحمله وعلى مكانته ؟
يعني مثلاً لو سألت إنساناً عالماً عن إنسان وذمه ابتداءً ولم
يلتقِ به ولم يستمع منه ملم يقرأ كتاباً له ذمه هكذا كي يبعدك
عنه ألا تهتز صورة هذا العالم لم يكن واقعياً لم يكن منصفاً هل
العلم معلومات تحفظها أم مواقف أخلاقية تقفها ؟ العلم في
حقيقته حكم فيه إنصاف النبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى
صهره في صف المشركين وجاء ليقاتله وقد وقع أسيراً نظر إليه
وقال والله ما ذممناه صهراً ، يعني كان صهراً جيداً.
قال :

[
سورة النساء : الآية 113]
كيداً :

[
سورة الطارق : الآية 16]
كيد الله تدبير حكيم يردعهم عن أن يضلوا المؤمنين وما يضلون
إلا أنفسهم يعني هم حينما أرادوا هذا العمل السيئ أو حينما
أرادوا أن يزينوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم براءة الأبيرق
وذنب اليهودي ولو أن بعضهم أراد من هذا أن يقع النبي عليه
الصلاة والسلام في حكم ظالم فيبرء مذنباً ويتهم بريئاً ولعل
بعضهم وهم قلة أراد من هذا أن تهتز صورة النبي عليه الصلاة
والسلام أمام هؤلاء الذين اجتمعوا على هذه القضية قال لولا أن
الله حفظه من هم التنفيذ وسمح لهم بهم التزيين لكانت مشكلة
كبيرة جداً .

[
سورة النساء : الآية 113]
الله عز وجل هو الأصل في سعادة وفي كل أمن وفي كل راحة وفي كل
توازن وفي كل سكينة فإذا أسأت إلى خلقه حجبت عنه أنت الذي دفعت
الثمن باهظاً أضللت نفسك عن مصدر السعادة وما يضلون إلا أنفسهم
وما يضرونك من شيء لأن الله يحفظك .
الآمر
ضامن حينما أرسل الله هذا النبي الكريم أرسله وقد عصمه من أن
يضله أحد عصمه من أن يقتل عصمه من أن يضل :

[
سورة المائدة : الآية 67]
إذاً كل محاولات الطرف الآخر باءت بالخيبة لأن الله عصم النبي
عليه الصلاة والسلام .

[
سورة النساء : الآية 113]
إخوتنا الكرام :
في
حقيقة خطيرة جداً أتمنى أن أوفق في شرحها كان من الممكن أن
ينزل هذا القرآن جملة واحدة مرة واحدة كل هذه الأحكام في كتاب
هو القرآن الكريم ولكن الله شاءت حكمته أن ينزل منجماً ، يعني
يقع حدث يأتي وحي يوجه النبي لهذا الحدث فالأحكام جاءت مرتبطة
بوقائع هذه الطريقة من أجل تثبيت قلب النبي ، أضرب لكم على ذلك
مثلاً أنت عندك كتاب في البيت قرأته مرتين قدمت به امتحاناً
لكن بعد حين تنساه كله لماذا ؟ لأن هذه الأحكام بقيت نظرية لم
تتعامل معها تعاملاً واقعياً لو أنك عانيت مشكلةً ولابد أن
تعرف الحكم الشرعي وقلبت الكتب التي في مكتبتك ثم سألت بعض
العلماء ثم استقر رأيك على حكم شرعي يتناسب مع هذه الحادثة
لأنه في حادثة وقعت لأنه في ارتباط بين النص وبين الواقع هذا
الحكم الشرعي لا تنساه مدى الحياة ، أنت تذكر أن الذي لا تنساه
أبداً هي مشكلة عانيت منها ثم بحثت لها عن حل شرعي فالأحكام
الشرعية التي توصلت إليها بعد معاناة مشكلة لا تنساها أبداً
لأنه ارتبطت بمشكلة علماء التربية يقولون ارتبطت بخبرة .
لو
أنك لا سمح الله ولا قدر أخطأت في مجال ما فدفعت ثمناً باهظاً
هذا الدرس لا تنساه حتى الموت فالحكم الشرعي حينما يأتي في
كتاب حينما يأتي حكماً نظرياً حينما لا يرتبط بواقع حينما لا
يرتبط بمعاناة حينما لا يرتبط بتجربة سريعاً ما تنساه واسأل
الذين نالوا شهادات عليا كم كتاب قرأ في الجامعة وكم كتاب نجح
فيه في الجامعة ؟ قد لا يذكر منه شيئاً أما المشكلات التي
عاناها والقضايا التي عاينها والأزمات التي مر بها فكل ما قيل
فيها من أحكام شرعية يحفظها غيباً .
إذاً كان من الممكن أن ينزل الله على رسوله هذا القرآن جملةً
واحدة مثل ما هو قرطاس من السماء كل شيء فيه لكن الذي فعله
الله عز وجل وهو ينبغي أن نفعله نحن أنه نزل منجماً بحسب
الوقائع فحديث الإفك فيه آيات عن الإفك حديث الأبيرق فيه آيات
عن الأبيرق في أحد في آيات عن الحرب وعن السلم وعن النصر وعن
الهزيمة فهذا القرآن نزل منجماً ليثبت الله به قلب النبي وأنت
أيها الأخ إذا كنت مربياً أو معلماً أو مرشداً لا يمكن أن ترسخ
هذه الحقائق التي تتلوها على إخوانك أو على طلابك إلا بحالة
واحدة أن ترتبط بمشكلة تعانيها .
كم من حديث شريف يتحدث عن أشراط الساعة ؟ لو قرأته قبل عشرين
عاماً لا تتأثر له إطلاقاً أما حينما ترى الأحداث صارخةً
وحينما ترى أن هذا الحديث جاء به النبي وكأنه يعيش معنا تتفاعل
معه تفاعلاً عجيباً لأن الواقع أيده والواقع دعمه وهذا ما
يسميه العلماء فقه الحياة فقه الكتب شيء وفقه الحياة شيء آخر ،
أنت مثلاً دائماً عندك قناعة المعالجة واجب بل ترتقي إلى مستوى
الفرض ثم تفاجأ بحكم شرعي أن المعالجة ليست واجبة أنت لا تقبل
هذا لأنه أنت بخبرتك في التهاب زائدة والعملية سهلة جداً في
أمراض من السهل جداً أن يشفى الإنسان منها أما المعالجة غير
واجبة لم ترضَ بهذا الحكم أنت أما حينما تعاني أن طفلاً يحتاج
إلى معالجة تكلف ثمانية ملايين بدولة أجنبية والأب موظف لا
يملك شيئاً لو باع بيته وباع كل شيء وباع أولاده لا يستطيع أن
يعالج ابنه هذه مشكلة يغطيها هذا الحكم الشرعي لا تتفاعل مع
هذا الحكم الشرعي إلا بهذه المشكلة هذه المشكلة لولا أن الله
تعالى أنطق النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءته امرأة وقالت
يا رسول الله ابني أصيب بالصرع قال إن شئت صبرت وإن شئت دعوت
لك فاستنبط العلماء على أن المعالجة ولو بالدعاء والرقية ليست
واجبة إنما هي على الاختيار هذا يغطي أحياناً أنه قد توقف
المنفسة عن إنسان كل يوم عشرين ألف وموت الدماغ ثابت كادت
الأسرة أن تبيع كل ممتلكاتها ليست متابعة المعالجة فرضاً في
مثل هذه الحالة .
فالأحكام الشرعية النظرية التي هي في بطون الكتب لا تذكرها
إطلاقاً ولا تحفظها بل لا تتفاعل معها أما إن حصلت مشكلة إن
كانت تجربة إن كانت معاناة ثم جاء وحي السماء وبين هذه لا
تنساها حتى الموت وأنا أقول لك مرة ثانية الأحكام الفقهية التي
تذكرها دائماً هي أحكام فقهية متعلقة بمشكلات تعانيها ، الآن
أعلى أنواع التروية أن تعالج المشكلة بالقواعد النظرية لذلك
بعض الجامعات ليس فيها تدريس إطلاقاً فيها بحث هذا الطالب يكلف
ببحث كلما وقع أمام عقبة كأداء سأل أستاذه : ماذا أفعل ؟ راجع
البحث الفلاني راجع البحث الفلاني لخص البحثين اجمع بينهما
وأجب عن هذه النقطة فلذلك :
من أخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليم
البلاد
كل شيء يأتيك بسهولة بلا معاناة بلا مشكلة بلا تجربة لذلك
الأفكار التي ينبغي أن نجتمع حولها واضحة لا نجتمع هؤلاء
الأجانب بعد حروب ومعاناة دافعين ثمن ما هم فيه الآن ثمن من
دماء أبنائهم يعني هم يتعاونون هم بعيدون عن المهاترات بالسبب
أنهم دفعوا ثمن هذا باهظاً فيما مضى فاتعظوا والتفتوا إلى
تقوية أنفسهم وبناء مجتمعاتهم حتى ملكوا ناصية العالم .
فيا أيها الإخوة :
حكمة الله عز وجل من أن القرآن نزل منجماً أي نزل بوقائع ونزل
بخبرات لذلك أحكامه لا تنسى وهذا معنى قول الله عز وجل :

[
سورة الفرقان : الآية 32]
أي نزل منجماً ليثبت الله به فؤاد النبي عليه الصلاة والسلام .
أذكر مرة أنني قرأت كتاباً في دراسات عليا تربوية عن الأمراض
النفسية فكانت هذه الأمراض ثلاثمائة مرض والله لا أذكر منها
الآن مرضاً واحداً إلا مرضاً واحداً شاهدناه مصوراً في مقطع
مسجل هو الصراع كيف إنسان أراد أن يتجاوز مركبة ففوجئ بمركبة
أمامه فوقع في صراع يتابع أم يتراجع تصور امرأته تجري في
جنازته تصور أبناءه في المياتم ، لأن هذا الموضوع رأيته بصورة
مع مشكلة ومعاناة حفظته أما كل شيء تدرسه ولا تتفاعل معه تنساه
.
فكان من الممكن أن يأتي هذا القرآن أن ينزل هذا القرآن على قلب
النبي جملةً واحدة أما جاء منجماً بحسب الوقائع حينما قال عليه
الصلاة والسلام :
"
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا
أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي
سَرَقَتْ فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا وَمَنْ
يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ
؟ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ
الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ
الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ
أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ
فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا "
[
البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، ابن ماجه ،
أحمد ، الدارمي
]
إذاً الأحداث التي وقعت في عهد النبي وقعت بشكل مقصود ومركز من
الله عز وجل بشكل لا نهائي لتكون منطلقاً للأحكام الشرعية
ومنطلقاً للوحي المنزل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام إذاً
هذه القصة مبعث هذه الآيات وهذه المواقف وكيف أن طائفةً أرادت
أن تضل النبي وكيف أن سمح لها أن تهم بتزيين الأمر له ولم يسمح
لها بأن تحمله على فعل ما تريد لأن الله يحفظه ، الله عز وجل
إذا قال :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ(67)
لولا أن حالة جرت لكن النبي لم يتأثر بها إطلاقاً ثبت بالفعل
أنه محفوظ من الله عز وجل وأنه معصوم ، فالواقع حينما ينطقُ
ينطق بحجة دامغة فلذلك الوحي نزل منجماً بحسب الوقائع التي
عاشها النبي وهذه الوقائع كانت مركزة في أعلى مستوى من قبل
الله عز وجل .

[
سورة النساء : الآية 113]
قال تعالى :

[
سورة النساء : الآية 77]
لو معك ألف مليار تموت وتتركها في الأرض متاع الدنيا قليل كم
تأكل؟ الذي معه بالمليارات كم يأكل ؟ يأكل كما يأكل أي إنسان
على كم سرير ينام ؟ كم ثياب يرتدي ؟ كم مركبة يركب ؟ الدنيا له
سقف مهما كنت غنياً في الدنيا عند الله قليل أما إذا علمك الله
الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم سمى الله هذا الفضل فضلاً
عظيماً وأنا مرة ذكرت أن طفلاً بالحضانة لو قال لك يا أبت أنا
معي مبلغ عظيم بعد العيد يعني معه مائتين ليرة أنت كم تتوهم أن
المبلغ من طفل يقول مبلغ عظيم ؟ يعني مائتين ليرة ، إذا قال
مسؤول بالبنتاجون أن نحن رصدنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً كم
تتصوره ؟ مائتين مليار ، انظر كلمة عظيم واحدة قالها طفل فظننت
مائتي ليرة وقالها مسؤول فظننتها مائتي مليار دولار إذاً كلمة
عظيم بحسب قائلها أليس كذلك ؟
إذا قال الله عز وجل :
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)
ما هو أعظم شيء في الأرض ؟ أن تعرفه إنك إن عرفته خضعت إلى
منهجه وسعدت بقربه في الدنيا والآخرة هذه البطولة وهذه الآية
والله ينبغي على كل أخ كريم أن يضعها في صدر بيته .
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)
الشرك عم الأرض تسعمائة مليون يعبدون البقر في بعض القارات
يعبدون الحجر يعبدون الشمس والقمر يعبدون شهواتهم يعبدون
النساء فإذا سمح الله لك أن تعبده فأنت على هدىً كبير .
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)
في بلاد لعل هذه العادة بدأت تنقرض إذا مات الزوج ينبغي أن
تحرق معه زوجته وهي حية هكذا تقاليدهم ، لا نحن تتزوج بعد مونه
ما في مشكلة أبداً انظر الشرع الإلهي ، في بلاد يأكلون الجرذان
أما الله سمح لنا أن نأكل أطيب الطعام فنحن في نعمة لا تعدلها
نعمة لكن ينبغي أن نعرفها .
أيها الإخوة :
قضية أن ينزل القرآن منجماً قضية مهمة جداً وقضية أن الأحداث
التي وقعت في عهد النبي وقعت مقصودة لذاتها من قبل الله عز وجل
لتكون متكئاً للتشريع .
والحمد لله رب العالمين |